
لم يعد سعر الوجبة التي يطلبها المستهلك عبر تطبيقات توصيل الطعام يعكس تكلفة إعدادها وهامش ربح المطعم فحسب، بل أصبح يتضمن حصة كبيرة تذهب إلى المنصة الرقمية التي تتولى تسويق الطلب وتوصيله، مع وصول العمولات في بعض الحالات إلى 30% أو أكثر من قيمة الفاتورة، ما يثير تساؤلات بشأن الطرف الذي يتحمل هذه التكلفة فعلياً.
وفي أسواق الخليج، خصوصاً الإمارات والسعودية، تحولت تطبيقات توصيل الطعام من قناة إضافية للمبيعات إلى جزء أساسي من أعمال المطاعم، بعدما أصبحت وسيلة رئيسية للوصول إلى المستهلكين وزيادة الطلبات.
لكن هذا التحول أوجد معادلة اقتصادية معقدة، إذ تستفيد المطاعم من قاعدة العملاء الواسعة التي توفرها التطبيقات، مقابل اقتطاع عمولات قد تلتهم جانباً كبيراً من أرباحها، بينما يتحمل المستهلك جزءاً من هذه التكلفة بصورة غير مباشرة من خلال ارتفاع أسعار الوجبات والرسوم الإضافية.
لفهم حجم التأثير، يمكن افتراض أن مطعماً يبيع وجبة بقيمة 100 درهم عبر أحد تطبيقات التوصيل، مقابل عمولة تبلغ 30%. في هذه الحالة، يحصل التطبيق على 30 درهماً، بينما يتبقى للمطعم 70 درهماً قبل احتساب تكلفة المكونات والعمالة والإيجار والتغليف وغيرها من المصروفات.
وإذا بلغت التكاليف المرتبطة بالوجبة 60 درهماً، فإن ما يتبقى للمطعم لا يتجاوز 10 دراهم، مقارنة بنحو 40 درهماً عند بيعها مباشرة للمستهلك، بافتراض ثبات التكاليف الأخرى.
ويعني ذلك أن عمولة تبلغ 30% من سعر الوجبة قد تلتهم 75% من هامش الربح قبل العمولة في هذا المثال، ما يوضح حجم الضغوط التي تواجهها المطاعم عند الاعتماد بصورة كبيرة على منصات التوصيل.
ولا تعني هذه النسبة أن التطبيق يحقق ربحاً صافياً يعادل 30% من قيمة الطلب، إذ يتحمل بدوره تكاليف التوصيل والتكنولوجيا والتسويق وخدمة العملاء.
وبحسب تقديرات قطاعية منسوبة إلى شركة الاستشارات «جي جي بي كونسلتينغ» لعام 2026، تتراوح عمولات منصات توصيل الطعام في الإمارات عادة بين 15% و30% من قيمة الطلب، وفقاً لطبيعة الاتفاق بين المطعم والمنصة والخدمات المقدمة.
كما تشير تقديرات منسوبة إلى منصة «هوريكس» المتخصصة في قطاع المطاعم، خلال أبريل 2026، إلى أن بعض المطاعم الإماراتية تتحمل عمولات تتراوح بين 25% و35%، وقد ترتفع التكلفة الفعلية عند إضافة رسوم معالجة المدفوعات والخدمات التسويقية.
وتظل هذه النسب تقديرات قطاعية تحتاج إلى التحقق من تقاريرها الأصلية، وليست تعرفة رسمية موحدة لجميع التطبيقات، إذ تختلف العمولات بحسب حجم المبيعات وقوة العلامة التجارية وشروط التعاقد.
وبناءً على عمولة افتراضية تبلغ 30%، فإن مطعماً يحقق مبيعات شهرية بقيمة 200 ألف درهم عبر التطبيقات يدفع نحو 60 ألف درهم شهرياً، أي ما يعادل 720 ألف درهم سنوياً، مقابل خدمات المنصة.
وتزداد أهمية هذه التكلفة بالنسبة للمطاعم الصغيرة والمتوسطة، التي تعمل غالباً بهوامش ربح محدودة، ولا تتمتع بالقوة التفاوضية نفسها التي تمتلكها سلاسل المطاعم الكبرى.
وتشير دراسة نشرتها شركة الاستشارات العالمية «ماكينزي آند كومباني»، بعنوان «التطور السريع لخدمات توصيل الطعام» ، إلى أن هوامش أرباح المطاعم التقليدية تتراوح بين 7% و22%، في حين قد تتراوح عمولات منصات التوصيل بين 15% و30% من قيمة الطلب.
وأوضحت الدراسة أن زيادة الطلبات عبر المنصات لا تعني بالضرورة ارتفاع أرباح المطاعم، إذ يمكن أن تؤدي العمولات المرتفعة إلى تراجع الربحية رغم نمو الإيرادات.
وتكمن المشكلة في أن المطعم يتحمل تكاليف المواد الغذائية والعمالة والإيجارات والمرافق، بينما تُحتسب عمولة التطبيق على قيمة الطلب وفقاً لشروط العقد.
ومع ذلك، يمكن أن تكون الطلبات الإضافية مربحة إذا ساعدت المطعم على استغلال طاقته التشغيلية غير المستخدمة أو الوصول إلى عملاء جدد لم يكن ليستقطبهم عبر قنوات البيع التقليدية.
ورغم أن عمولات التوصيل تُقتطع عادة من مستحقات المطاعم، فإن جزءاً من تكلفتها قد ينتقل إلى المستهلك من خلال رفع أسعار الوجبات على التطبيقات مقارنة بأسعارها داخل المطاعم.
وقد يتحمل العميل أيضاً رسوماً إضافية تشمل التوصيل والخدمة، فضلاً عن احتمال اختلاف العروض والخصومات بين الطلب المباشر والطلب عبر التطبيقات.
وتوضح دراسة «ماكينزي» أن اقتصاديات توصيل الطعام تفرض ضغوطاً على مختلف أطراف السوق، نظراً إلى ارتفاع تكلفة تنفيذ الطلبات وصعوبة تحقيق التوازن بين الأسعار المناسبة للمستهلك والربحية المستدامة للمطاعم والمنصات.
وفي المقابل، تختار بعض المطاعم الحفاظ على أسعار موحدة داخل المنشأة وعبر التطبيقات، ما يعني تحملها الجزء الأكبر من العمولة على حساب أرباحها.
تقوم أعمال منصات التوصيل على ربط المستهلكين بالمطاعم، وتحقيق الإيرادات من العمولات ورسوم الخدمات والإعلانات والخدمات الإضافية.
وتستفيد هذه المنصات من اتساع قاعدة المستخدمين، فيما تستفيد المطاعم من الوصول إلى عملاء جدد دون الحاجة إلى إنشاء بنية تقنية ولوجستية مستقلة.
لكن العلاقة بين الطرفين قد تصبح غير متوازنة عندما ترتفع نسبة المبيعات التي تحققها المطاعم عبر التطبيقات، إذ يؤدي الاعتماد الكبير على منصة واحدة أو عدد محدود من المنصات إلى إضعاف قدرة المطاعم على التفاوض بشأن العمولات.
وتشير دراسة «ماكينزي» إلى أن منصات التوصيل تواجه بدورها تحديات مرتبطة بارتفاع التكاليف التشغيلية، ما يجعل الإيرادات الناتجة عن العمولات غير مساوية للأرباح الصافية التي تحققها الشركات.
تسعى بعض المطاعم إلى تقليص اعتمادها على منصات التوصيل من خلال إنشاء مواقع إلكترونية وتطبيقات خاصة لاستقبال الطلبات مباشرة، إلى جانب تقديم برامج ولاء وخصومات للعملاء الذين يشترون عبر قنواتها.
ويمكن لهذه الاستراتيجية أن تساعد في خفض العمولات وتعزيز العلاقة المباشرة مع المستهلك، لكنها تتطلب استثمارات في التكنولوجيا والتسويق وخدمات التوصيل.
وتشير دراسة «ماكينزي» إلى أن نمو سوق التوصيل يفرض على المطاعم إعادة تقييم نماذج أعمالها، بما يضمن تحقيق توازن بين زيادة المبيعات والمحافظة على هوامش الربح.
ومع ذلك، فإن الاستغناء الكامل عن التطبيقات ليس خياراً سهلاً بالنسبة للمطاعم الصغيرة، التي تعتمد على المنصات لجذب العملاء وتعزيز انتشارها في سوق شديدة المنافسة.
وفي النهاية، تتوزع تكلفة خدمات التوصيل بين المطعم والمستهلك والمنصة، لكن حجم العبء الذي يتحمله كل طرف يختلف بحسب المنافسة وقوة التفاوض وسياسات التسعير.
وتبقى المفارقة أن المطعم الذي يبيع وجبة بقيمة 100 درهم قد يحتفظ بـ70 درهماً فقط قبل احتساب تكاليف التشغيل، ما يجعل السؤال الأهم بالنسبة لأصحاب المطاعم ليس عدد الطلبات التي تحققها التطبيقات، بل مقدار الأرباح التي تبقى بعد سداد عمولات الوسيط الرقمي.