سيناريو حرب إيران يختلف عن «أوكرانيا 2022»
رفع الفائدة خطوة حتمية مع استمرار الحرب

لم يكد العالم يتعافى من التضخم بعد جائحة «كورونا»، حتى وجد نفسه أمام صدمة أكثر تعقيداً وخطورة.. نفط فوق 125 دولاراً، ومضيق حيوي مغلق، وحرب جديدة تضرب الإمدادات في توقيت لم تتعافَ فيه الاقتصادات بعد، فيما لا تخشى البنوك المركزية هذه المرة، التضخم فقط، بل السيناريو الأسوأ: ركود تضخمي يصعب الهروب منه.
على خلاف 2022، عندما ارتفع النفط إلى حدود 120 دولاراً بالتزامن مع نمو اقتصادي قوي نسبياً وسياسات مالية داعمة، يأتي صعوده الآن فوق 125 دولاراً في بيئة أكثر هشاشة، مع تباطؤ في النمو العالمي وتشديد نقدي ممتد منذ أكثر من عام؛ ما يضاعف من أثر الصدمة ويقلص قدرة الاقتصادات على امتصاصها.
في غضون ذلك، بدا أن صمود المركزيين وصانعي السياسة النقدية حول العالم ونبرتهم الهادئة بدأت تتلاشى تدريجياً، ليحل محلها نبرة أكثر خوفاً من طول أمد الصراع.
جائحة «كورونا» ثم حرب أوكرانيا التي لا تزال مشتعلة، والآن مضيق هرمز المغلق وبرميل النفط الذي يتحاوز 125 دولاراً، لا يحتاج التضخم أكثر من هذا ليستمر لفترة أطول، ويعيش العالم سيناريو الفزع من الركود التضخمي مرة جديدة بعد نحو 5 سنوات من جائحة «كورونا» التي أشعلت التضخم إلى ذروة 4 عقود.
ومع تجاوز أسعار النفط عتبة الذروة خلال حرب أوكرانيا، بدا السؤال المنطقي: لماذا لا يعبر العالم حرب إيران كما عبر الحرب السابقة؟ لكن الإجابة تكمن في المفارقة، أن الحرب الحالية تأتي بعد صراع لا يزال مشتعلاً في أوروبا وجائحة كورونا؛ ما يعني أن الاقتصاد العالمي بات أكثر وهناً من ذي قبل.
أشعلت أسعار النفط المرتفعة مخاوف المركزيين حول العالم، مع ارتفاع مدخلات الإنتاج والصناعة في ظل الارتفاعات القياسية لأسعار الوقود والبنزين، وتجاوز برميل النفط أعلى مستوياته في 4 سنوات.
السؤال الآن ليس هل يرتفع التضخم، بعدما ارتفعت الأسعار بالفعل، بحسب أحدث بيانات شهر مارس، ثاني شهور الحرب؟، بل السؤال الأثقل هو: هل يتحول ارتفاع الأسعار إلى ركود تضخمي مرير؟
وفي وقت لم تحسم فيه الحرب مسارها بعد، يبدو أن العالم لا يواجه مجرد موجة تضخم جديدة، بل يواجه أيضاً اختباراً قاسياً لقدرة البنوك المركزية على الموازنة بين كبح الأسعار وحماية النمو، وإذا طال أمد الصراع، فقد لا يكون السؤال إلى أين تتجه الفائدة، بل أيهما سينهار أولاً: النمو أم استقرار الأسعار؟.
قال يانيس ستورناراس محافظ بنك اليونان المركزي: «المخاوف من انزلاق منطقة اليورو إلى الركود إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط حقيقية ومبررة».
أضاف ستورناراس: «محادثات إنهاء حرب إيران ستكون من العوامل الأساسية التي سيستند إليها البنك المركزي الأوروبي في تحديد سياسته النقدية».
وتابع، وهو أيضاً عضو في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي: «اقتصاد منطقة اليورو أظهر متانة لكنه يفقد قوته الدافعة».
قال محافظ المركزي الألماني وعضو المركزي الأوروبي يواكيم ناغل: «بالنظر إلى التعطل الجديد الذي يؤثر سلباً على الإمدادات بسبب الصراع في الشرق الأوسط، فإن ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الغموض يؤثران بشكل مباشر على النمو والتضخم، نظراً لاعتماد منطقة اليورو الكبير على الطاقة».
أضاف ناغل: «على خلاف 2022، يحدث ارتفاع التضخم في بيئة تتسم بنمو أضعف بالفعل، وظروف مالية أكثر تشديداً، وحيّز مالي أقل؛ ما يحد من المساحة المتاحة للتحرك عبر السياسات ويجعل الاقتصادات أكثر عرضة للخطر».
كما قال: «ستعتمد استجابتنا على شدة الصدمة ومدتها وقنوات انتقالها، وإذا تبين أنها عابرة ودون آثار ثانوية كبيرة، فلن يكون هناك حاجة لتعديل السياسة النقدية».
كذلك أشار إلى أن أي ارتفاع كبير لكنه مؤقت عن مستهدف المركزي الأوروبي قد يتطلب تعديلاً محسوباً بدقة للحد من التأثيرات التضخمية الثانوية.
بالمقابل أكد ناغل: «إذا أدى ذلك إلى ابتعاد كبير ومستمر في معدل التضخم عن المستهدف، فيجب أن تكون الاستجابة قوية».
قال نيل كاشكاري رئيس «الفيدرالي» في منيابوليس: «كلما طال أمد حرب إيران زادت مخاطر ارتفاع التضخم والأضرار الاقتصادية؛ ما يحد من قدرة البنك المركزي على تقديم إرشادات واضحة بشأن سياسة أسعار الفائدة في الوقت الراهن».
وأضاف كاشكاري: «أركز كثيراً على الحرب في إيران وتأثيرها على التضخم والطلب الاقتصادي، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز الحيوي، الذي كانت تمر عبره 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية قبل الحرب».
نظراً للغموض والمخاطر المحيطة بجميع جوانب الحرب، قال كاشكاري إن البنك المركزي الأميركي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة.
كاشكاري قال أيضاً: «لا أشعر بالارتياح للإشارة إلى احتمال خفض سعر الفائدة، فقد نواجه سيناريوهات أسوأ، وقد نضطر إلى اتخاذ مسار معاكس».
دعم المعارضون الثلاثة في «الفيدرالي» الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة، وقالوا في تعليقات لاحقة إن رفعها أو خفضها مرهون بتأثير الحرب على الاقتصاد.
ويتجاهل مجلس الاحتياطي الفيدرالي عادة صدمات أسعار الطاقة؛ لأنها غالباً ما تتلاشى، لكن بعض المسؤولين أشاروا إلى أن المشكلات الحالية تفاقم من أثر تجاوز هدف التضخم لسنوات.
يعني ذلك أن البنك المركزي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، وفي الوقت نفسه تؤدي الزيادات الكبيرة في أسعار الطاقة إلى انخفاض الطلب؛ ما يضعف قدرة المستهلكين على الإنفاق.
وصف أوستن غولسبي رئيس بنك الاحتياطي في شيكاغو أحدث بيانات التضخم الأميركية بأنها «أخبار سيئة للغاية».
وأوضح: «قد يرتفع التضخم، وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، إلى 3.5% على أساس سنوي حتى مارس، ارتفاعاً من 2% مستهدف الاحتياطي الفيدرالي».
كما قالت رئيسة «الفيدرالي» في كليفلاند بيث هاماك: «لا تزال ضغوط التضخم واسعة النطاق، كما أن ارتفاع أسعار النفط يضيف مزيداً من الضغوط».
وأضافت: «أرى أن التوجه نحو التيسير لم يعد مناسباً بالنظر إلى التوقعات».
رئيسة «الفيدرالي» في دالاس، لوري لوغان، قالت، إن الإغلاق المطول لمضيق هرمز وأي ضرر بالبنية التحتية للطاقة قد يسفر عن صدمة سعرية كبيرة، لدرجة أن البنك المركزي قد يحتاج إلى سلسلة من رفع أسعار الفائدة لإبقاء توقعات التضخم تحت السيطرة.
وفي أكثر تصويت انقساماً منذ عام 1992، أبقى الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع سعر الفائدة القياسي في نطاق 3.50% إلى 3.75%.
لكنه أبقى على لهجة تشير إلى أن خطوته التالية المرجحة ستكون خفض أسعار الفائدة، بما يتماشى مع مسار بدأ قبل نحو 18 شهراً.
وما يزيد من حالة عدم اليقين، تغيير قيادة المجلس؛ إذ من المتوقع أن يخلف كيفن وارش جيروم باول عند انتهاء ولايته هذا الشهر، رغم إشاراته السابقة إلى سياسة أكثر تيسيراً.
بين صدمة الطاقة وتشديد السياسة النقدية، يتحرك الاقتصاد العالمي على حافة توازن هش قد لا يصمد طويلاً، في انتظار نتائج مفاوضات لم يحسم مصيرها بعد.