باول يرفض أفكار وارش ويؤكد التعاون معه
السياسة النقدية تتخذ مسارات متباينة

4 أصوات معارضة للمرة الأولى منذ 1992.. هكذا انقسم الفيدرالي الأميركي في إحدى أخطر لحظاته منذ 3 عقود، قال محافظ البنك: «لا أعلم ما إذا كان بيان السياسة النقدية المقبل سيحتوي على إشارات تيسيرية أم لا؟، نعم، هناك من عارض لهجة القرار، وهناك من طالب بالخفض الفوري، فيما يرى البعض احتمالات قائمة برفع أسعار الفائدة».
هكذا جاءت أبرز تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» جيروم باول، بعد أن شهد المجلس أكبر انقسام منذ عام 1992، لتتضاءل أهمية السؤال عن متى يخفض أو يرفع «الفيدرالي» الفائدة؟
ويبقى السؤال الأبرز: هل تتزايد الشقوق والتصدعات بين جدران أكبر مؤسسة نقدية في العالم، وهل تتهاوى استقلالية البنك؟ ما يمهد الطريق لانهيار الثقة في تسعير الأصول الأميركية، مِن أسهم وسندات وحتى قيمة الدولار.
صدر قرار الفيدرالي الأميركي لاجتماع أبريل بتثبيت الفائدة عند مستوى 3.75% دون تغيير، فيما يركز الجميع على بيان «الفيدرالي» ورؤى أعضائه بشأن التضخم وتأثيرات حرب إيران وأسعار النفط في مسار الفائدة فيما تبقى من 2026.
يأتي هذا القرار في ظروف استثنائية، حيث يعد القرار الأخير لأعضاء «الفيدرالي» تحت قيادة المخضرم جيروم باول، الذي تنتهي فترته قبل منتصف العام الجاري، ومن المتوقع أن يحل كيفن وارش محله رئيساً لـ«الفيدرالي» الأميركي بترشيح من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وإذا اختار البقاء، فسيكون أول رئيس سابق يفعل ذلك منذ مارينر إيكلس عام 1948، وهي خطوة قد تهدف لحماية استقلالية «الفيدرالي» وسط ضغوط البيت الأبيض المستمرة لخفض الفائدة أو التدخل في شؤون البنوك الإقليمية.
من المتوقع أن يتحول مزيج التوجهات داخل المجلس بعد وصول كيفن وارش إلى منصب المحافظ كالآتي:
كانت آخر مرة يشهد فيها اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة معارضة أربعة أعضاء للإجراءات المقترحة في أكتوبر عام 1992، وهذا التوزيع يعكس تحول «الفيدرالي» من مؤسسة موحدة إلى ساحة صراع في تحديد مسار الفائدة.
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الوقت الحالي مناسب لخفض أسعار الفائدة، في تصريحات جديدة أعادت الجدل بشأن السياسة النقدية في الولايات المتحدة، حيث يرى أن الاقتصاد الأميركي بحاجة إلى تخفيف القيود النقدية لدعم النمو.
وفي تعليقاته على الاحتياطي الفيدرالي، شدد ترامب على ضرورة التحرك نحو خفض الفائدة، معتبراً أن استمرار السياسات الحالية قد يضغط على الاقتصاد والأسواق، وهي نقطة يكررها في أكثر من مناسبة.
خلال الاجتماع الأخير برئاسة جيروم باول، الذي تنتهي ولايته منتصف مايو المقبل ويستمر كعضو حتى يونيو 2028، والذي شهد تثبيت الفائدة، صوّت 8 أعضاء لصالح قرار اللجنة، فيما عارضه 4 آخرون.
وفي حين دعا عضو مجلس المحافظين ستيفن ميران إلى خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، أبدى الثلاثة الآخرون موافقتهم على التثبيت من حيث المبدأ، لكنهم عارضوا لهجة البيان الذي تبنته اللجنة.
في البيان، أبقت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة على عبارات تتعلق بنطاق وتوقيت التعديلات الإضافية للسياسة، في إشارة إلى خفض محتمل في أسعار الفائدة.
منذ أن بدأ الاحتياطي الفيدرالي دورة التيسير في عام 2024، استُخدمت لغة مماثلة تشير عادة إلى ميل صناع السياسة إلى خفض تكاليف الإقراض، وهو ما عارضه الأعضاء الثلاثة.
قال جيروم باول إنه سيظل في منصبه كعضو بمجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، حتى بعد نهاية ولايته كرئيس للمجلس في الشهر المقبل، وإلى حين الانتهاء من التحقيق المتعلق بتجديد مقر البنك المركزي.
جيروم في المؤتمر الصحفي قال: «قررت البقاء في عضويتي داخل مجلس محافظي الفيدرالي الأميركي لفترة من الوقت حتى تنتهي تحقيقات وزارة العدل، وللحفاظ على استقلالية الفيدرالي الأميركي».
وأضاف: «لم ألتقِ بمحافظ الفيدرالي الأميركي المعين منذ يناير الماضي، والمؤتمرات الصحفية مهمة للغاية للتواصل مع الأسواق والمواطنين، على النقيض من توجهات وارش الذي يرغب في منع ظهور المحافظين».
كما أوضح: «سننتظر ونرى كيف تسير الأمور خلال الفترة المقبلة، وما سيحدث خلال الـ30 إلى الـ60 يوماً المقبلة قد تتغير الأمور، ولا أعلم إن كان التوجه نحو التيسير النقدي سيظهر في بيان الاجتماع المقبل».
قال باول: «السياسة النقدية تحاول خدمة كل المواطنين بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو حزبية، ومن الأفضل للولايات المتحدة الحفاظ على استقلالية الفيدرالي الأميركي، فإذا فقد الفيدرالي استقلاليته فسوف يفقد احترامه في الأسواق ولن يكون قادراً على أداء مهامه».
وأضاف: «لن يكون هناك محافظ داخل الفيدرالي الأميركي سوى كيفن وارش عند اختياره لهذا المنصب، وسأغادر الفيدرالي الأميركي عندما أرى ذلك مناسباً، ولن أكون محافظاً ثانياً داخل الفيدرالي، وأحترم المحافظ الجديد كلياً».
باول تابع: «القانون يحمي استقلالية الفيدرالي الأميركي ويجب الدفاع عن ذلك، ويجب أن يواصل (الفيدرالي) أداء مهام السياسة النقدية بعيداً عن أي ضغوط سياسية».
وأكد: «هناك فروق بين مهام (الفيدرالي) الأميركي ومهام وزارة الخزانة الأميركية، واستقلالية (الفيدرالي) محل تهديد في الوقت الحالي، ولكن يجب التأكد من اتخاذ قرارات السياسة النقدية بعيداً عن سياسة الدولة».
أظهر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء الـ29 من أبريل 2026 انقساماً تاريخياً غير مسبوق في صفوف صانعي السياسة النقدية، حيث تم الإبقاء على أسعار الفائدة عند نطاق 3.5% - 3.75% في ظل ضغوط تضخمية مستمرة ومرحلة انتقالية حرجة في قيادة البنك المركزي.
وقالت أغلبية اللجنة إن موقف السياسة النقدية الحالي مناسب، مع التأكيد أن القرار سيظل مرهوناً بالبيانات، سواء بالرفع أو الخفض.
كما أضافت: «إذا استمر هذا الوضع لفترة أطول وارتفعت الأسعار بشكل كبير، فسنشعر بأثره بشكل أكبر، ونتحدث هنا عن معدلات التضخم الإجمالية، إذ يعاني المواطنون ارتفاع أسعار الطاقة».
وأضافت: «نعتقد أن معدل الفائدة الحالي قريب من المستوى الحيادي، والذي يتراوح بين 3% إلى 4%، وقد يكون 3.5%».
شهدت لجنة السوق المفتوح الفيدرالي تصويتاً بنتيجة 8 أصوات مقابل 4، وهو أكبر عدد من المعارضين منذ أكتوبر 1992. وجاءت تفاصيل المعارضة كالتالي:
أشار بيان اللجنة إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً، مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة العالمية، ويواجه «الفيدرالي» تحدياً مزدوجاً، حيث اقترب الدين الأميركي من 39 تريليون دولار، ما يزيد تكلفة التمويل ويضغط على الميزانية الفيدرالية.
تتجه الأنظار الآن إلى خليفة باول، حيث وافقت لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ في تصويت حزبي (13-11) على ترشيح كيفن وارش ليكون رئيس «الفيدرالي» المقبل.
ويحمل وارش رؤية طموحة تشمل:
لا تزال هناك اعتراضات حادة داخل مجلس الشيوخ، تقودها السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن، التي ركزت في تصريحاتها على اسم كيفن وارش ودوره المحتمل في المرحلة المقبلة.
قالت وارن: «دعم تعيين كيفن وارش قد يعني منح إدارة ترامب نفوذاً أكبر على السياسة النقدية؛ ما قد يؤثر في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في حال تمرير هذا الترشيح».
كما حذرت من استمرار الضغوط السياسية على البنك المركزي الأميركي، مشيرة إلى أن الجدل حول وارش يأتي في وقت حساس، رغم التطورات الأخيرة المتعلقة بإغلاق بعض التحقيقات المرتبطة بقيادات في الاحتياطي الفيدرالي.
وبين مجلس منقسم، وضغوط سياسية متصاعدة، واقتصاد يقف على حافة إعادة تسعير كبرى، لم يعد السؤال متى يغير «الفيدرالي» الفائدة.. بل هل لا يزال قادراً على اتخاذ قرار موحد من الأساس؟