باول ينهي ولايته رئيساً ويستمر عضواً
كيفن وارش يقترب من رئاسة البنك

مع اقتراب لحظة الوداع، لا يُنظر إليه كرئيس ينهي دورة، بل كصانع مرحلة كاملة ستظل آثارها ممتدة لسنوات. وبعد أقل من 48 ساعة يأتي الاجتماع الأخير لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي»، جيروم باول في هذا المنصب، وبعد ولايتين مليئتين بضجة تصريحات وهجوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يترك باول منصبه.
ويرى محللون أن اجتماع باول الأخير لن يكون قرار فائدة بقدر ما سيكون قراءة لإرث كامل من السياسة النقدية الممتدة منذ 2018، حيث تحوّل الفيدرالي من دورة تشديد تاريخية إلى بداية اختبار تباطؤ اقتصادي عالمي.
والسؤال الآن: هل ترك باول الدولار الأميركي ضعيفاً؟ وماذا عن مستقبل سعر الفائدة غداً وفي المستقبل المنظور؟ وكيف يرى البنك أزمة حرب إيران؟
اتسمت تحركات باول خلال فترتي ولايته بمحاولة تحقيق ما يُعرف بتفويض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أو «التفويض المزدوج»، والذي حدده الكونغرس الأميركي في عام 1977، ويهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين هدفين رئيسين لضمان استقرار وقوة الاقتصاد الأميركي، وهما التوظيف والتضخم.
مع اندلاع حرب أوكرانيا، بدأ باول مع الفيدرالي رحلة رفع الفائدة في مارس 2022 حينما كانت المعدلات حينها عند 0.25%.
منذ مارس 2022 وحتى يوليو 2023، ارتفعت الفائدة لتقفز إلى ذروة ما يزيد على عقدين عند مستويات 5.5%، وكان التضخم حينها قد بلغ ذروة 4 عقود قرب 10%.
في سبتمبر 2024 بدأت رحلة باول في خفض الفائدة لتنهي العام بثلاثة تخفيضات بلغت في المجمل 100 نقطة أساس، لتصل إلى 4.5%.
في العام التالي 2025، انخفضت الفائدة 3 مرات بواقع 75 نقطة أساس في المجمل لتصل إلى 3.75%.
هذا التحول في الفائدة لم يكن معزولاً عن الصدمات الجيوسياسية، بل جاء انعكاساً مباشراً لانتقال الاقتصاد العالمي من مرحلة التضخم الناتج عن الجائحة إلى تضخم مدفوع بالطاقة والصراعات.
تولى الرئيس السادس عشر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي منصبه منتصف 2018، وكان مؤشر الدولار حينها يحوم قرب مستويات 90 نقطة.
في مايو 2021 انخفض مؤشر الدولار إلى أدنى مستوى منذ فبراير 2018 حينما هبط دون العتبة النفسية عند 90 نقطة.
في أكتوبر 2022 بلغ الدولار أعلى مستوياته حينما قفز إلى 112 نقطة مقابل المنافسين، وهو أعلى مستوى في 4 سنوات.
يحوم الدولار اليوم قرب مستويات 99 نقطة، أي بارتفاع يقترب من 10% خلال فترتي ولاية جيروم باول.
عندما تولى باول رئاسة أكبر مؤسسة نقدية في العالم، أظهرت بيانات التضخم حينها ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين من 2.1% إلى 2.2% في فبراير 2018.
بلغ التضخم ذروته في يوليو 2022 حينما قفز إلى أعلى مستوى منذ ثمانينيات القرن الماضي وسجل مستويات 9.1%.
ومع رفع أسعار الفائدة عقب حرب أوكرانيا، بدأ التضخم في الانخفاض التدريجي ليصل إلى 2.3% في أبريل من العام الماضي.
لكن مع اندلاع حرب التعريفات الجمركية وما تلاها من توترات تجارية، عاد التضخم إلى الارتفاع، كما عززت حرب إيران تسارع وتيرة الأسعار ليقفز مجدداً من أبريل الماضي وحتى مارس 2026 إلى 3.3%.
استلم باول رئاسة البنك في الوقت الذي سجلت فيه معدلات البطالة في الولايات المتحدة مستويات 4.1% في فبراير 2018.
نجح باول في خفض معدلات البطالة أكثر من مرة إلى مستويات 3.5%، وجاء آخرها في أبريل 2023.
بلغت معدلات البطالة ذروتها مع بداية جائحة كورونا وقفزت إلى مستويات 14.7% في أبريل 2020.
في يونيو 2025 عادت مستويات البطالة إلى 4.1%، لكن مع تداعيات الحرب التجارية وتباطؤ وتيرة خفض الفائدة، عادت للارتفاع مرة أخرى لتصل في مارس الماضي إلى 4.3%.
من المقرر أن يكون اجتماع جيروم باول غداً هو الأخير كرئيس للبنك، إذ تنتهي ولايته في مايو المقبل على أن يستمر كعضو له حق التصويت حتى يونيو 2028.
لكن في الشهر الماضي قال باول، الذي اختاره وعينه ترامب في ولايته الأولى عام 2018، إنه يعتزم البقاء في منصبه حتى انتهاء تحقيق وزارة العدل.
في يناير، أصدرت وزارة العدل مذكرات استدعاء إلى الاحتياطي الفيدرالي كجزء من تحقيق بشأن تجاوزات في تكاليف مشروع تجديد أحد المباني.
كان ترامب، الذي دعا مراراً كلاً من باول والفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة بشكل قوي، قد رشّح بديلاً لباول هو المحافظ السابق في الفيدرالي كيفن وارش.
ومن المحتمل أن يتأخر تعيين وارش بسبب بعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ الذين أبدوا تحفظات على التحقيق؛ إذ قال توم تيليس، وهو جمهوري، إنه لن يصوّت للمضي قدماً في ترشيح وارش حتى يتم حسم التحقيق بالكامل.
أصبح عضواً في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي بعد أن رشحه الرئيس باراك أوباما لهذا المنصب عام 2012.
بدأت ولاية جيروم باول الأولى كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في 5 فبراير 2018، خلفاً لـجانيت يلين.
تم ترشيحه من قبل الرئيس دونالد ترامب في نوفمبر 2017، وشغل المنصب لمدة أربعة أعوام، ليتم التجديد له لاحقاً لولاية ثانية بدأت في مايو 2022.
في 2018 بدأ سلسلة حلقات من رفع سعر الفائدة مستغلاً قوة أداء الاقتصاد الأميركي، ليبدأ الصدام مع الرئيس ترامب الذي أبدى ندمه على تعيين باول.
لأول مرة منذ 2007/2008، قام الفيدرالي بتخفيض برنامج التيسير النقدي الذي تم إقراره بعد الأزمة العالمية.
في عام 2019، وصف ترامب باول بالعدو، وشبّهه بأنه مثل أو أسوأ من الرئيس الصيني شي جين بينغ.
وبين تشديد تاريخي للفائدة، وصعود الدولار، وعودة التضخم أكثر من مرة، يغادر باول وهو يترك خلفه اقتصاداً لا يزال يبحث عن توازن جديد بين النمو والاستقرار النقدي.