سيناريو باول يحيي قصة استقلال الفيدرالي
بيانات الوظائف والتضخم تحسم اختبار سبتمبر

أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتراماً كبيراً لرئيس البنك المركزي الأميركي «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» كيفن وارش، مؤكداً ثقته أنه سيفعل ما يتعين عليه فعله بشأن أسعار الفائدة.
تأتي تصريحات ترامب بعد أيام من تحول ملحوظ في نبرة وارش، الذي استخدم خطاب ندوة «جاكسون هول» للتحذير من أن الفيدرالي ستكون أمامه «مهمة» صعبة إذا لم يطمئن إلى عودة التضخم نحو هدف 2%، في إشارة دفعت الأسواق إلى رفع رهانات زيادة الفائدة في سبتمبر.
تضع هذه المفارقة العلاقة بين الرئيس ورئيس الفيدرالي أمام أول اختبار حقيقي، بعدما اختار ترامب وارش وهو يراهن على سياسة نقدية أقل تشدداً، بينما تشير أحدث مواقف رئيس البنك المركزي إلى استعداده للتحرك في الاتجاه المعاكس إذا فرض التضخم ذلك.
كرر ترامب للصحفيين في المكتب البيضاوي، رؤيته بأن الولايات المتحدة يجب أن تدفع «أدنى أسعار فائدة في العالم بفارق كبير»؛ ما يضع رغبة البيت الأبيض في اتجاه معاكس للمسار الذي بدأت الأسواق تسعره بعد خطاب وارش الأخير.
كان ترامب وصف وارش في يوليو بأنه «رائع» و«ذكي»، رغم إبقاء الفيدرالي الفائدة دون تغيير، وعزا القرار آنذاك إلى أعضاء اللجنة، في مؤشر على أن الرئيس لا يزال يفصل حتى الآن بين رئيس البنك والقرار الجماعي للجنة السوق المفتوحة.
يحمل المشهد تشابهاً مع بداية علاقة ترامب بجيروم باول، إذ كان الرئيس الأميركي هو من اختاره لرئاسة الفيدرالي في نوفمبر 2017، قبل أن تتحول العلاقة بينهما مع اختلاف توجهاتهما بشأن أسعار الفائدة.
واصل الفيدرالي رفع أسعار الفائدة خلال 2018، ليعلن ترامب أنه «غير سعيد» بالزيادات، قبل أن تتصاعد انتقاداته لاحقاً ويقول إنه غير راضٍ عن اختياره لباول.
يعود هذا السيناريو إلى الواجهة مع تولي وارش المنصب بدعم مباشر من ترامب، بينما يريد البيت الأبيض خفض تكاليف الاقتراض في وقت دفعت فيه مخاطر التضخم رئيس الفيدرالي إلى تبني نبرة أكثر تشدداً.
أرسل وارش مبكراً إشارات إلى أنه لا ينوي إدارة السياسة النقدية وفق رغبات البيت الأبيض، إذ قال أمام الكونغرس في يوليو إنه سيواصل «أداء عمله» إذا تعرض لضغوط سياسية، مؤكداً استقلال البنك المركزي في تحديد أسعار الفائدة.
كرر وارش خلال شهادته أن قرارات الفيدرالي يجب أن تستند إلى البيانات وتحقيق استقرار الأسعار والتوظيف، في وقت كانت فيه مطالب ترامب بخفض تكاليف الاقتراض تضغط على النقاش بشأن استقلال البنك المركزي.
يرى إستراتيجي الاقتصاد الكلي جورج بيركس أن الرئيس الأميركي يمتلك تأثيراً محدوداً على قرارات لجنة السوق المفتوحة، وأن إشارات وارش الأخيرة تعكس النقاش داخل الفيدرالي أكثر من كونها استجابة لضغوط سياسية.
بدأ وارش ولايته بتغيير طريقة تواصل الفيدرالي مع الأسواق، إذ حذف البنك من بيان يونيو اللغة التي كانت تشير إلى احتمال مزيد من خفض تكاليف الاقتراض، وتخلى عن جانب من التوجيه المستقبلي الذي استخدمه رؤساء البنك السابقون.
أبقى الفيدرالي الفائدة في يوليو عند نطاق 3.50% إلى 3.75%، لكن القرار جاء بأغلبية 9 أصوات مقابل 3، مع مطالبة ثلاثة أعضاء برفعها ربع نقطة مئوية، في مؤشر على اتساع التيار المتشدد داخل اللجنة.
أكد وارش في «جاكسون هول» أن التضخم لا يزال مرتفعاً وأن الأوضاع المالية ليست مقيدة بما يكفي، معتبراً أن البنك سيكون أمام عمل إضافي إذا لم تظهر الأسعار مساراً واضحاً وسريعاً نحو هدف 2%.
تدعم البيانات جانباً من مخاوف وارش، إذ استقر مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي عند 3.7% على أساس سنوي في يوليو، ليظل التضخم أعلى من هدف الفيدرالي للشهر الـ65 على التوالي.
تزامن ذلك مع عودة أسعار النفط فوق 90 دولاراً للبرميل نتيجة التصعيد في الشرق الأوسط؛ ما أضاف مصدراً جديداً للضغوط السعرية وأعاد مخاطر انتقال ارتفاع الطاقة إلى التضخم الأميركي.
يرى «بنك أوف أميركا» أن رفع الفائدة أصبح السيناريو الأساسي، معتبراً أن وارش سيخاطر بمصداقيته إذا لم يتبع نبرته المتشددة بإجراء، في حين لا يزال «مورغان ستانلي» أقل اقتناعاً بأن زيادة سبتمبر أصبحت محسومة.
غيّر «باركليز» توقعاته بعد خطاب وارش، وأصبح يتوقع زيادتين بواقع 25 نقطة أساس في سبتمبر وديسمبر، بعدما كان يرجح سابقاً بقاء أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام.
يرى كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «سانتاندر يو إس كابيتال ماركتس»، ستيفن ستانلي، أن رسالة وارش ترجح زيادة سبتمبر ما لم تشهد البيانات الاقتصادية تغيراً جوهرياً قبل اجتماع الفيدرالي.
في المقابل، لا يزال «جيه بي مورغان» أكثر حذراً تجاه توقيت التحرك، إذ كان البنك يتوقع زيادة في ديسمبر، بينما يرى أن تطورات التضخم وسوق العمل ستظل حاسمة في تحديد توقيت الخطوة التالية.
تغيرت رهانات المتداولين بصورة حادة بعد خطاب وارش، بعدما كانت أداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي» تستبعد أي رفع وشيك لأسعار الفائدة قبل ظهوره.
يظل اجتماع 15 و16 سبتمبر مرهوناً بسلسلة من البيانات التي ستصدر خلال الأيام المقبلة، وفي مقدمتها تقرير الوظائف لشهر أغسطس ومؤشرات سوق العمل ثم بيانات التضخم.
ترى «مورغان ستانلي» أن تباطؤ بعض مؤشرات التضخم قد يسمح للفيدرالي بالإبقاء على الفائدة دون تغيير، بينما يرى «بنك أوف أميركا» أن استمرار ضغوط الأسعار يجعل التحرك أكثر ترجيحاً.
يرى «باركليز» أن مزيج التضخم المرتفع وسوق العمل المتماسكة يدعم زيادتين إضافيتين خلال العام، فيما يبقي «جيه بي مورغان» توقيت التحرك أكثر ارتباطاً بالبيانات المقبلة.
ستضع نتيجة اجتماع سبتمبر العلاقة بين ترامب ووارش أمام اختبارها الأوضح حتى الآن، فإذا اختار الفيدرالي رفع الفائدة في الوقت الذي يطالب فيه الرئيس بأدنى تكاليف اقتراض في العالم، سيعود سيناريو الخلاف الذي بدأ قبل سنوات بين ترامب وباول إلى واجهة الأسواق.