وارش: استقرار الأسعار أكثر إثارة للقلق من سوق العمل
الأسواق تعيد حسابات سبتمبر بعد رسالة «جاكسون هول»

خرج رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش من «جاكسون هول» دون أن يعد الأسواق برفع الفائدة، لكنه وضع التضخم في صدارة المخاطر، مؤكدا أن هدف 2% ثابت وأن الاقتصاد الأميركي وسوق العمل لا يظهران ضعفا يستدعي التساهل مع ضغوط الأسعار، مربكا المراهنين على خفض الفائدة.
جاءت تصريحات وارش بعد أحدث بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي التي أظهرت بقاء التضخم السنوي عند 3.7% في يوليو، ليظل مقياس الأسعار المفضل لدى «الفيدرالي» بعيدا عن الهدف، بينما أكد رئيس البنك المركزي أن التحسن الأخير لا يكفي لإثبات تغير الاتجاه الأساسي للتضخم.
رفض وارش تقديم مسار مسبق لأسعار الفائدة، ما يضع بيانات التضخم والوظائف المقبلة في قلب رهانات اجتماع سبتمبر، في وقت تعيد فيه الأسواق تقييم احتمالات استئناف رفع الفائدة بعد رسالة جاكسون هول.
قال وارش إن صورة استقرار الأسعار أصبحت أكثر إثارة للقلق من سوق العمل، مشيرا إلى أن التضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي يبلغ 3.7% على أساس سنوي، بينما تصل القراءة الممتدة لستة أشهر إلى نحو 4.1%.
أكد أن هدف التضخم البالغ 2% وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي ثابت وواضح، مشددا على أن استقرار الأسعار لا يحدث تلقائيا، وأن قراءات نفقات الاستهلاك الشخصي وأسعار المستهلكين خلال الصيف، رغم أنها جاءت أفضل من المتوقع، لا تظهر تحسنا ملموسا في الاتجاهات الأساسية للأسعار.
ركز وارش على اتساع الضغوط، إذ ارتفعت أسعار 54% من السلع والخدمات البالغ عددها 199 مكونا داخل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي بأكثر من 3% خلال الـ12 شهرا الماضية، مقابل ذروة ما بعد الجائحة البالغة نحو 77% ومتوسط 32% خلال العقدين السابقين للجائحة.
وقال وارش إن استمرار التضخم المرتفع لمدة 65 شهرا يمثل مسؤولية يتحملها البنك المركزي، مؤكدا ضرورة منع زعزعة استقرار توقعات التضخم التي لا تزال مستقرة بصورة عامة.
لا يرى وارش في المقابل ضعفًا اقتصاديًا يفرض تحولًا سريعا في السياسة النقدية؛ إذ وصف سوق العمل بأنها مستقرة إلى حد كبير، مع بقاء معدل البطالة عند 4.1%، معتبرا أنها تتوافق حاليا مع حالة التوظيف الكامل.
وأشار إلى ارتفاع الإنفاق الرأسمالي للشركات على المعدات والأصول غير الملموسة بنحو 9% خلال الأرباع الأربعة الماضية، وهي أعلى وتيرة منذ 2021، مع ارتباط أكثر من نصف نمو الإنفاق الرأسمالي خلال العام الحالي بالذكاء الاصطناعي.
ارتفع الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي بأكثر من 2% خلال الأرباع الأربعة الماضية، فيما قال وارش إنه من الصعب وصف الأوضاع المالية العامة بأنها مقيدة، رغم الضغوط التي تواجه بعض القطاعات مثل الإسكان والزراعة.
لم تقتصر اللهجة المتشددة في «جاكسون هول» على «الفيدرالي»، إذ قال عضو مجلس محافظي «البنك المركزي الأوروبي» ورئيس البنك المركزي السلوفيني بريموز دولينك إن التضخم «لا يحل نفسه»، معتبرا أن صمود الاقتصاد والمخاطر المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط يدعمان رفع الفائدة في سبتمبر.
وقال محافظ البنك المركزي النمساوي مارتن كوخر إن الاقتصاد يظهر زخما أكبر، محذرا من التهاون مع التضخم، في إشارة إلى أن مخاطر الأسعار لا تزال تشغل صناع السياسة النقدية رغم قدرة الاقتصادات على تحمل تكاليف اقتراض مرتفعة.
بحسب محللي «يو بي إس» تضيف الرسائل القادمة من مسؤولي البنوك المركزية في «جاكسون هول» بعدا أوسع لموقف وارش، مع عودة مخاطر التضخم إلى صدارة النقاش النقدي في وقت تواصل فيه أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية الضغط على توقعات الأسعار.
تعمد وارش عدم إعطاء المستثمرين خريطة طريق للفائدة، مؤكدا أن خطابه في «جاكسون هول» لا ينبغي اعتباره توجيهًا مستقبليا لمسار السياسة النقدية.
ويرى أن التوجيه المستقبلي الذي أصبح ممارسة معتادة منذ الأزمة المالية العالمية تجاوز الظروف التي بررت استخدامه، محذرا مما وصفه بـ«قاعة المرايا»، عندما تعتمد الأسواق بصورة مفرطة على إشارات «الفيدرالي» بينما يستخدم البنك المركزي نفسه أسعار السوق في تقييم الاقتصاد.
وارش وضع في المقابل معيارا مباشرا لتحركات «الفيدرالي»، مؤكدا أن البنك المركزي يجب أن يكون واثقا من تحرك التضخم الأساسي نحو هدف 2% بصورة واضحة وبسرعة كافية، وأن عدم تحقق هذا الشرط يعني أن أمام «الفيدرالي» مزيداً من العمل.
تزامنت رسالة «جاكسون هول» مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع، إذ تجاوز خام برنت 90 دولارا للبرميل بعد الضربات الأميركية على جزيرة لارك الإيرانية والرد الإيراني، وسط استمرار اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز.
حذر وارش في خطابه من ضرورة مراقبة الارتفاع الأخير في أسعار السلع الأساسية لمعرفة ما إذا كان يشير إلى مخاطر صعودية جديدة أمام التضخم، ما يضع أسعار الطاقة إلى جانب بيانات التضخم والوظائف ضمن العوامل المؤثرة في حسابات «الفيدرالي».
تكتسب بيانات الوظائف والتضخم لشهر أغسطس أهمية أكبر قبل اجتماع سبتمبر، بعدما رفض وارش منح الأسواق إشارة مسبقة بشأن اتجاه الفائدة وربط تحركات البنك المركزي بالاتجاه الفعلي للتضخم.
ووصف كبير الاقتصاديين في «غولدمان ساكس»، يان هاتزيوس، خطاب وارش بأنه متشدد، معتبرا أن رفع الفائدة في سبتمبر أصبح ممكنا إذا جاءت بيانات أسعار المستهلكين والمنتجين في أغسطس أقوى من المتوقع، لكنه أبقى على توقعاته بتثبيت الفائدة، مرجحا ارتفاع التضخم الأساسي بنحو 0.2% خلال الشهر.
يتفق «آي إن جي» مع وصف خطاب وارش بالمتشدد، إذ يرى رئيس الأبحاث الإقليمية للأميركيتين في البنك، بادريك غارفي، أن الرسالة عززت مخاطر رفع الفائدة، لكنه يتوقع استمرار مسار تراجع التضخم خلال 2027 دون الحاجة إلى زيادات جديدة، معتبرا أن اجتماع سبتمبر أصبح أقرب إلى رهان متعادل بين الرفع والتثبيت.
بينما قفزت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر إلى 60.4%، يبقى الاختبار الحقيقي في بيانات أغسطس، مع تمسك «غولدمان ساكس» و«آي إن جي» برؤية أكثر حذرا من المراهنين في السوق، ما يضع اجتماع سبتمبر بين تضخم لا يزال بعيدًا عن 2% واقتصاد قادر حتى الآن على تحمل الفائدة المرتفعة.