باول قد يستمر بعد نهاية ولايته في مايو
وارش يضع استقلالية البنك على المحك

صدام ترامب وباول واستقلالية البنك قد يعيدان مشهداً نادراً عمره 78 عاماً، إذ ربما لا يستمر باول بصفته عضواً فقط، بل رئيساً لأكبر مؤسسة نقدية في العالم، حتى بعد انتهاء ولايته، وهو ما لم يشهده مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» منذ عام 1948، فهل يشهد الفيدرالي سيناريو «إكليس» مجدداً؟
تفويض جيروم باول ينتهي رسمياً كرئيس لـ«الفيدرالي» في الـ15 من مايو، إلا أن استمراره عضواً في مجلس المحافظين قائم حتى عام 2028، نظراً لأن أعضاء الاحتياطي الفيدرالي يُعينون لفترات طويلة تصل إلى 14 عاماً بعد موافقة مجلس الشيوخ.
لكن تحقيقاً سعت إليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قلب المعادلة رأساً على عقب، وفتح باب التكهنات بشأن استمرار الرجل الذي طالما تعرض لهجوم عنيف من ترامب وتهديدات متكررة بالإقالة.
هذا الوضع خلق حالة من الترقب داخل الأسواق، إذ لا يتابع المستثمرون فقط قرار من يخلف باول، بل أيضاً ما إذا كان سيظل لاعباً مؤثراً في رسم السياسة النقدية من موقع مختلف، وللمرة الأولى منذ سنوات، لا تراقب الأسواق قرار الفائدة قدر ما تراقب من يجلس على مقعد القرار.
شهدت الأسابيع الماضية حالة من عدم اليقين بشأن قدرة كيفن وارش، المرشح الأبرز لخلافة باول، على تولي المنصب في الموعد المحدد، خصوصاً مع وجود عقبات سياسية مرتبطة بتحقيقات وزارة العدل.
من المرجح أن يأتي تعطيل تمرير التعيين نتيجة موقف السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي ربط دعمه بتسوية التحقيق القائم؛ ما أضاف بعداً سياسياً معقداً إلى عملية انتقال السلطة داخل «الفيدرالي».
لكن هذا الجمود بدأ يتراجع نسبياً بعد إعلان المدعية العامة لمقاطعة كولومبيا إغلاق التحقيق وتحويله إلى المفتش العام للاحتياطي الفيدرالي، وهو ما دفع تيليس لاحقاً إلى إعلان استعداده لدعم تعيين وارش، في تحول يعكس تغير موازين المشهد السياسي، وهذا التأخير وحده يكفي لإبقاء الدولار والسندات في حالة ترقب ممتدة.
تشير التقديرات إلى أن باول قد يفضل التريث في اتخاذ قرار بشأن مغادرة مجلس الإدارة، خصوصاً في ظل استمرار بعض جوانب التحقيق وعدم وضوح مآلاته النهائية.
كما أكد بنفسه خلال مؤتمر صحفي في مارس أنه لا ينوي مغادرة المجلس قبل انتهاء التحقيق بشكل كامل وبشفافية تامة؛ ما يعكس حرصه على حماية سمعته المؤسسية وضمان وضوح الصورة أمام الرأي العام.
وأشار إلى أنه لم يحسم قراره بعد بشأن الاستمرار عضواً في المجلس بعد تعيين رئيس جديد؛ ما يترك الباب مفتوحاً أمام عدة سيناريوهات تتراوح بين الانسحاب الكامل أو البقاء كعنصر استقرار داخلي.
بدأت وزارة العدل تحقيقها في يناير بشأن مزاعم تتعلق بتضليل الكونغرس حول تجاوزات تكاليف مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، وهو مشروع تمت الموافقة عليه منذ سنوات لكنه شهد ارتفاعاً ملحوظاً في التكلفة.
وارتفعت التكلفة الإجمالية إلى نحو 2.5 مليار دولار مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.9 مليار دولار في عام 2021؛ ما أثار تساؤلات حول إدارة المشروع وأسباب هذا التضخم في النفقات.
ورغم إعلان إغلاق التحقيق وتحويله إلى جهة رقابية داخلية، فإن الملف لا يزال مفتوحاً من حيث التقييم النهائي والتداعيات المحتملة.
وتعرَّض التحقيق لانتكاسة قانونية بعد إلغاء مذكرتي استدعاء من قبل قاضٍ فيدرالي؛ ما حدّ من نطاقه، إلا أن إمكانية إعادة فتحه تظل قائمة إذا ظهرت أدلة جديدة.
ويرى محللون أن استكمال هذا الملف قد يستغرق عدة أشهر، وهو ما قد يؤثر مباشرة في قرار باول بشأن مستقبله داخل الاحتياطي الفيدرالي، ويجعل المشهد مفتوحاً أمام احتمالات متعددة بين الاستمرارية والتغيير.
رغم أن بقاء رئيس الاحتياطي الفيدرالي في منصبه عضواً بعد انتهاء ولايته يُعد أمراً نادراً، فإن التاريخ يقدم سابقة مهمة مع مارينر إكليس، الذي استمر في المجلس بين عامي 1948 و1951 خلال فترة شهدت توتراً بين الفيدرالي ووزارة الخزانة.
وانتهت تلك المرحلة باتفاق تاريخي أعاد استقلالية البنك المركزي بعد ضغوط لدعم التمويل الحكومي خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وهو ما يعكس أهمية الاستمرارية المؤسسية في فترات التحول الكبرى.
ترى بنوك عالمية أن بقاء باول داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يكون ضرورياً للحفاظ على الاستمرارية المؤسسية، خاصة في مرحلة انتقالية قد تشهد تغييرات كبيرة في أسلوب إدارة السياسة النقدية.
في المقابل، يعكس توجه كيفن وارش رؤية مختلفة تميل إلى إعادة تشكيل الإطار العام لعمل الفيدرالي، من خلال الدعوة إلى تغييرات جوهرية تشمل تعديل آلية استهداف التضخم، وتقليص الميزانية العمومية، إلى جانب إعادة النظر في أسلوب التواصل مع الأسواق.
وطرح وارش فكرة تقليل الظهور الإعلامي لأعضاء البنك المركزي والحد من التوجيهات المسبقة بشأن قرارات الفائدة، وهو ما يمثل تحولاً واضحاً عن النهج الذي اعتمده باول خلال سنوات رئاسته.
لم يلتزم وارش في شهادته أمام مجلس الشيوخ بالاستمرار في عقد مؤتمرات صحفية عقب كل اجتماع، وهو التقليد الذي رسخه باول وأصبح جزءاً أساسياً من تواصل البنك مع الأسواق؛ ما يثير تساؤلات حول مستوى الشفافية في المرحلة المقبلة.
ويرى محللون أن قيادة وارش قد تقود إلى نموذج أكثر مركزية وأقل انفتاحاً، مع احتمالات أكبر لتأثير العوامل السياسية في القرارات النقدية، وهو ما قد يغير طبيعة العلاقة بين الفيدرالي والأسواق، أي تراجع في استقلالية الفيدرالي قد يعيد تسعير الأصول العالمية من جديد.
شغل مارينر إكليس منصب رئاسة الاحتياطي الفيدرالي لمدة 12 عاماً (1934-1948) تحت رئاسة فرانكلين روزفلت وهاري ترومان.
ولعب دوراً محورياً في الوصول إلى اتفاقية الخزانة والاحتياطي الفيدرالي عام 1951، التي أنهت سيطرة وزارة الخزانة على أسعار الفائدة وأرست استقلالية السياسة النقدية.
وتكريماً لإرثه، أُطلق اسمه على مبنى مارينر س. إكليس الفيدرالي في واشنطن، وهو المقر الرئيسي لمجلس محافظي النظام الاحتياطي الفيدرالي.
كما أسهم بشكل أساسي في صياغة سياسات «الصفقة الجديدة» لمواجهة الكساد الكبير، بما في ذلك تأسيس المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع «FDIC» وقانون الإسكان الفيدرالي.
وبعد 78 عاماً، لا يواجه الفيدرالي مجرد تغيير أسماء، بل اختباراً جديداً لاستقلاله، وإذا عاد سيناريو «إكليس»، فقد لا يكون الحدث بقاء باول، بل ما إذا كانت السياسة ستدخل أخيراً إلى قلب البنك المركزي؟.