logo
أسواق

وارش يريد وترامب يرغب.. هل يتكرر سيناريو التضييق على جيروم باول؟

ترامب يضغط لخفض الفائدة ووارش يتمسك بالعكس

محضر يوليو يكشف اتساع معسكر الداعين إلى الرفع

البنوك تنقسم بين تثبيت طويل ورفع قبل نهاية العام

وارش يريد وترامب يرغب.. هل يتكرر سيناريو التضييق على جيروم باول؟
كيفن وارش يقسم اليمين قبل شهادته أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ في مبنى الكابيتول، واشنطن العاصمة، يوم 21 أبريل 2026.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

دائماً ما أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسعار فائدة منخفضة، لدفع النمو وخفض كلفة الديون المتفاقمة، في حين يحدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي، المؤسسة المسؤولة عن السياسة النقدية الأميركية، أسعار الفائدة بناءً على موازنة دقيقة بين التضخم والوظائف.

يبدو أن تعارض الرغبات بين الرئيس الأميركي ورئيس الفيدرالي، وسيناريو المواجهة الذي خاضها ترامب مع جيروم باول، قد يتكرر إذا أصر «الفيدرالي» الذي يقوده كيفن وارش، الذي اختاره ترامب لرئاسته، على اتباع مسار أكثر تشدداً في مواجهة التضخم. 

أخبار ذات صلة

رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ، العاصمة واشنطن ، يوم 15 يوليو 2026.

الدولار بين نارين.. هل ينقذه «الفيدرالي» من فخ السندات؟

تعارض واضح

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس، بالتزامن مع صدور محضر اجتماع الفيدرالي الأميركي، إنه يرغب حقاً في رؤية انخفاض أسعار الفائدة، وأضاف للصحفيين في البيت الأبيض: «ينبغي السماح بخفض أسعار الفائدة مع نجاح بلدنا، لا أن ترتفع بسبب هذا النجاح».

في المقابل، أظهر محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي عقد الشهر الماضي ونُشر أمس الأربعاء، أن القلق من التضخم لا يزال مرتفعاً، مع إبداء عدد من صانعي السياسة استعدادهم لرفع أسعار الفائدة، والإشارة إلى أن ذلك سيكون ضرورياً إذا لم ينخفض التضخم.

وقال رئيس «الفيدرالي»، كيفن وارش، في وقت سابق إن الذين راهنوا على خفض الفائدة خاب ظنهم، مشيراً إلى التزام البنك بمهمة مواجهة التضخم حتى لو لم يرضِ ذلك الرئيس الأميركي ترامب، كما حذف جملة الإشارة إلى خفض الفائدة من بيان السياسة النقدية.

معسكر متشدد

أظهر محضر اجتماع لجنة السوق المفتوح يومي 28 و29 يوليو أن ثلاثة مسؤولين صوتوا بالفعل لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، مقابل تسعة أعضاء فضلوا الإبقاء عليها عند نطاق 3.50% إلى 3.75%.

لكن أهمية المحضر تتجاوز نتيجة التصويت، إذ رأى «العديد» من المشاركين أن تشديد السياسة النقدية سيكون على الأرجح ضرورياً إذا لم ينخفض التضخم، فيما حذر مؤيدو الرفع من أن التأخر قد يفرض لاحقاً سلسلة من الزيادات الأكثر حدة وكلفة.

كما تشير هذه المواقف إلى أن احتمال رفع الفائدة لا يزال حاضراً بقوة داخل «الفيدرالي»، حتى مع عدم وجود أغلبية حالياً لتغيير سعر الفائدة، ويعني ذلك أن بيانات التضخم والوظائف المقبلة ستؤدي دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان معسكر التشديد سيتسع أم يتراجع. 

أخبار ذات صلة

سبيكة ذهب معروضة داخل متحف العملات في مصرف لبنان، بيروت، 6 نوفمبر 2014.

الذهب تحت حصار السندات.. هل يملك «الفيدرالي» مفتاح النجاة؟

اختبار سبتمبر

تزداد صعوبة القرار مع تباين إشارات الاقتصاد، فقد أظهرت بيانات يوليو فقدان الاقتصاد الأميركي 23 ألف وظيفة، فيما بقي التضخم عند مستويات مرتفعة؛ ما يضع «الفيدرالي» أمام موازنة أكثر حساسية بين خطر استمرار ضغوط الأسعار وخطر إضعاف سوق العمل.

وتشير البيانات الأخيرة إلى تباطؤ نسبي في النشاط الاقتصادي، بالتزامن مع قراءات أكثر اعتدالاً للتضخم، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على رفع الفائدة في سبتمبر وتحويل جزء من توقعاتهم إلى الاجتماعين التاليين.

مع ذلك، فإن محضر يوليو أبقى سيناريو الرفع مفتوحاً بقوة، خصوصاً إذا جاءت بيانات التضخم المقبلة أعلى من المتوقع أو ظهرت مؤشرات على انتقال ضغوط الطاقة إلى الأسعار المحلية، لذلك لا يزال اجتماع سبتمبر محطة مهمة في تحديد اتجاه السياسة النقدية لبقية العام.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال قمة «الناتو» في العاصمة التركية أنقرة، يوم 8 يوليو 2026.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال قمة «الناتو» في العاصمة التركية أنقرة، يوم 8 يوليو 2026.المصدر: (أ ف ب)

تسعير السوق

تغيرت توقعات السوق بعد أن أظهرت بيانات تباطؤ الاقتصاد في الولايات المتحدة، بما في ذلك خسائر غير متوقعة في الوظائف الشهر الماضي وقراءات معتدلة للتضخم؛ ما دفع المستثمرين إلى خفض توقعاتهم بإقدام «الفيدرالي» على رفع أسعار الفائدة.

وقال رئيس قسم التداول لدى شركة «ماني كورب»، يوجين إبستين، في مذكرة للعملاء: «تعكس المستويات الحالية لتوقعات أسعار الفائدة ميلاً غير متوقع نحو التيسير».

  • انخفضت احتمالات رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى 36%، نزولاً من 55% قبل أسبوع، فيما يتوقع 49% من المتداولين رفعها في أكتوبر، انخفاضاً من 60%، وفقاً لبيانات «فيد ووتش».
  • في اجتماع ديسمبر، انخفضت احتمالات رفع أسعار الفائدة إلى 68% من 77.5% قبل صدور البيانات؛ ما يعكس تراجعاً واضحاً في رهانات التشديد مقارنة بالفترة السابقة.

قال محللو بنك «أي إن جي» في مذكرة: «لا تعني رهانات خفض أو تثبيت الفائدة بالضرورة استمرار ضعف الدولار، إذ ستظل العملة الأميركية حساسة للفارق بين عوائد السندات الأميركية ونظيراتها العالمية».

وأضاف محللو البنك الهولندي في مذكرة: «كلما اتسع هذا الفارق لصالح الولايات المتحدة، ازدادت قدرة الدولار على استعادة جزء من قوته حتى مع تراجع توقعات رفع الفائدة». 

أخبار ذات صلة

رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، في ختام مؤتمره الصحفي، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، يوم 17 يونيو 2026.

العقود الآجلة على حبل وارش المشدود.. هل يفاجئ الفيدرالي الأسواق؟

البنوك منقسمة

يرى بنك «يو بي إس» أن الأسواق تبالغ في تسعير مخاطر رفع الفائدة، متوقعاً بقاء «الفيدرالي» على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الفترة القريبة، قبل تحول السياسة نحو خفض الفائدة في 2027 مع تباطؤ النمو وتراجع الضغوط السعرية.

في المقابل، كانت «مورغان ستانلي» أكثر حذراً في تقييم مخاطر التضخم، إذ رأى كبير إستراتيجيي الدخل الثابت العالمي أندرو شيتس أن «الفيدرالي» قد يتمكن من الانتظار إذا استمر التضخم في الاعتدال خلال النصف الثاني من العام، لكن عودة الضغوط السعرية ستجعل الحاجة إلى تحرك أكثر إلحاحاً.

تكشف هذه الرؤى عن انقسام واضح في السوق، فبعض المؤسسات يرى أن ضعف الوظائف والنشاط سيحد من قدرة الفيدرالي على التشديد، بينما يرى آخرون أن استمرار التضخم فوق الهدف يجعل إبقاء خيار الرفع مفتوحاً ضرورياً لحماية مصداقية البنك المركزي.

وارش تحت الضغط

يجد وارش نفسه في وضع أكثر تعقيداً من مجرد تحديد مستوى الفائدة، فتمسكه بأولوية التضخم يضعه أمام الأولوية التي يعلنها ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، وهي خفض كلفة الاقتراض ودعم النمو.

وارش أكد في مناسبات سابقة التزامه بهدف التضخم البالغ 2%، بينما تشير تحركاته داخل «الفيدرالي» إلى رغبته في إعادة النظر في بعض جوانب طريقة عمل البنك وتواصله، بما في ذلك طلب آراء المسؤولين بشأن تقليص عدد اجتماعات السياسة النقدية من ثمانية إلى ستة سنوياً، ولم يتخذ البنك قراراً بتغيير جدول اجتماعات 2026.

كما أظهر المحضر أن وارش يريد توسيع النقاش حول الميزانية العمومية لـ«الفيدرالي»، لكنه يواجه تأكيداً من عدد من المسؤولين بأن الأداة الأساسية لتغيير موقف السياسة النقدية يجب أن تظل سعر الفائدة، وليس إدارة حيازات البنك من السندات. 

أخبار ذات صلة

كيفن وارش رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي يتحدث خلال مؤتمر سون للاستثمار في مدينة نيويورك الأميركية - 8 مايو 2017.

التضخم يربك حسابات «الفيدرالي».. هل أُغلق باب رفع الفائدة؟

درس باول

الصدام بين ترامب و«الفيدرالي» ليس جديداً، فخلال ولايته الأولى هاجم ترامب باول مراراً بسبب رفض البنك خفض الفائدة بالسرعة التي أرادها الرئيس، وتحول الخلاف في 2019 إلى انتقادات علنية حادة، بينما تمسك باول باستقلالية قرارات السياسة النقدية.

في ولايته الثانية، استمرت الضغوط على باول بشأن أسعار الفائدة، مع مطالبة ترامب المتكررة بخفض تكاليف الاقتراض، في وقت أكد فيه رئيس «الفيدرالي» أن قرارات السياسة النقدية يجب أن تستند إلى البيانات الاقتصادية وليس التفضيلات السياسية.

وأصبح استقلال «الفيدرالي» محوراً رئيسياً في الخلاف، بعدما تجاوزت المواجهة مستوى أسعار الفائدة إلى نقاش أوسع حول حدود نفوذ البيت الأبيض على البنك المركزي.

رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، في ختام مؤتمره الصحفي، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، يوم 17 يونيو 2026.
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، في ختام مؤتمره الصحفي، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، يوم 17 يونيو 2026.المصدر: رويترز

خلاف مختلف

لكن تكرار سيناريو باول وترامب لا يعني بالضرورة أن وارش سيواجه المصير نفسه، فوارش وصل إلى رئاسة «الفيدرالي» باختيار ترامب، وكان معروفاً قبل توليه المنصب بمواقفه النقدية المختلفة وانتقاداته لبعض جوانب السياسة السابقة.

المفارقة أن وارش قد يجد نفسه مضطراً إلى إبقاء الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها لإثبات التزام «الفيدرالي» باستقرار الأسعار، حتى لو كان الرئيس الذي اختاره يفضل خفض تكاليف الاقتراض.

في هذه الحالة، قد يتحول اختلاف التقديرات الاقتصادية بين الرجلين إلى اختبار سياسي لاستقلال البنك المركزي، خصوصاً إذا استمر ترامب في الضغط من أجل خفض الفائدة بينما تشير البيانات إلى استمرار ضغوط الأسعار.

معركة الخريف

تزداد أهمية البيانات المقبلة مع اقتراب اجتماعات سبتمبر وأكتوبر وديسمبر، فإذا تسارع التضخم أو ظهرت مؤشرات على ارتفاع الأجور والأسعار المحلية، فقد تستعيد رهانات رفع الفائدة قوتها، بينما سيمنح استمرار ضعف سوق العمل والنشاط وارش مساحة أكبر للتريث.

وتبدو الأسواق حالياً أقل اقتناعاً برفع الفائدة في سبتمبر، لكن ذلك لا يعني إغلاق الباب أمام التشديد خلال بقية العام، فـ«الفيدرالي» يحتفظ بخيار الرفع، بينما ستحدد البيانات الجديدة توقيت استخدامه. 

أخبار ذات صلة

سندات اليورو في صورة توضيحية، 8 أبريل 2020

موجة بيع كاسحة بالأسهم.. لماذا اهتزت الأسواق مع اشتعال السندات؟

اختبار الاستقلال

المعادلة في النهاية تتجاوز قرار الفائدة نفسه، فإذا خفض وارش الفائدة استجابة لضغوط ترامب، فقد يواجه اتهامات بالتساهل السياسي، وإذا أبقاها مرتفعة أو رفعها رغم رغبة الرئيس، فقد تبدأ مواجهة جديدة حول استقلال البنك المركزي.

لهذا تبدو الأشهر المقبلة اختباراً مزدوجاً لوارش، اختباراً اقتصادياً لتحديد ما إذا كان التضخم يستدعي تشديد السياسة، واختباراً مؤسسياً لإثبات أن قرار الفائدة يصدر من «الفيدرالي» وفقاً للبيانات وليس من البيت الأبيض.

وفي الحالتين، فإن شبح تجربة باول سيظل حاضراً في خلفية المشهد الأميركي، لكن الاختبار الحقيقي لوارش سيكون قدرته على الموازنة بين هدف التضخم، ومخاطر سوق العمل، والضغوط السياسية، من دون أن يفقد «الفيدرالي» استقلالية قراره. 

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف