تراجع لافت في توقعات رفع أسعار الفائدة
توقعات بارتفاع التضخم في أغسطس المقبل

كانت الأسواق تترقب بفارغ الصبر بيانات التضخم في الولايات المتحدة، التي صدرت أمس، في محاولة لاستشراف آفاق السياسة النقدية ومسار أسعار الفائدة وقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» في اجتماعه المقبل منتصف سبتمبر.
وزاد من ترقب الأسواق لهذه البيانات، صدور أرقام تقرير الوظائف الصادمة في الأسبوع الماضي، والتي كشفت عن ضيق كبير في سوق العمل؛ ما قلص فرص رفع أسعار الفائدة ووضع «الفيدرالي» الأميركي أمام حسابات معقدة للموازنة بين هدفي التضخم والوظائف.
بعد صدور البيانات، قد لا يرى مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي حاجة ملحّة جديدة لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر، لكنهم في الوقت نفسه قد لا يشعرون بالاطمئنان إلى أن السياسة النقدية لا تزال مشددة بالقدر الكافي لضمان استمرار هذا الاتجاه.
أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركية ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين 0.1% خلال الشهر الماضي، بعد تراجعه 0.4% في يونيو، وهو أول انخفاض يسجله المؤشر خلال 6 سنوات.
وعلى أساس سنوي، خلال الـ12 شهراً المنتهية في يوليو، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين 3.4%، مقارنة مع زيادة قدرها 3.5% في يونيو.
باستثناء مكونات الغذاء والطاقة شديدة التقلب، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي 0.2% خلال يوليو، بعد استقراره دون تغيير في يونيو، بينما ارتفع التضخم الأساسي السنوي إلى 2.5% خلال الـ12 شهراً المنتهية في يوليو، مقابل 2.6% في يونيو.
كان اقتصاديون يتوقعون ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين 0.1% خلال يوليو، إلى جانب زيادة التضخم الأساسي 0.2% على أساس شهري، وهو ما تطابقت معه البيانات الفعلية.
لا تزال الأسواق تترقب بيانات تضخم أسعار المنتجين ومبيعات التجزئة اليوم وغداً، إضافة إلى بيانات أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، لتقييم مدى اقتراب التضخم من مستهدفه البالغ 2%.
ويتوقع اقتصاديون تسارع وتيرة ارتفاع أسعار المستهلكين خلال أغسطس، مدفوعة بالزيادة الأخيرة في أسعار النفط، في حين يُرجح أن ينتعش نمو الوظائف مع تلاشي التأثيرات الموسمية التي شوّهت بيانات التوظيف الأخيرة.
كان الاحتياطي الفيدرالي أبقى الشهر الماضي سعر الفائدة الأساسي لليلة واحدة في نطاق 3.50% إلى 3.75%، رغم وجود انقسامات داخل لجنة السياسة النقدية بشأن المسار المناسب للفائدة.
تمنح بيانات يوليو الاحتياطي الفيدرالي بعض المساحة للتريث بشأن رفع الفائدة، لكنها لا تغلق الباب أمام أي تحرك في سبتمبر، خاصة أن بيانات التضخم والتوظيف لشهر أغسطس، إلى جانب تطورات أسعار النفط، ستظل عوامل حاسمة في تحديد الخطوة المقبلة للبنك المركزي.
عكست تحركات الأسواق الأولية ترحيب المستثمرين بالبيانات، وبعد ظهور الأرقام:
قبل صدور بيانات التضخم، كانت الأسواق المالية تسعّر احتمالًا يبلغ نحو 46% لرفع الفائدة خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي الـ15 و16 من سبتمبر، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».
مع ذلك، قال اقتصاديون إن رفع الفائدة هذا العام لا يزال مطروحاً، في ظل استمرار التضخم عند مستويات أعلى بكثير من هدف البنك المركزي الأميركي البالغ 2%،
قال كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «بي إم أو كابيتال ماركتس»، سكوت أندرسون: «التقرير، رغم أنه ليس حاسماً، ينبغي أن يقلل مخاوف الفيدرالي بشأن احتمال حدوث دوامة تضخمية مدفوعة بالطاقة».
أضاف أندرسون في مذكرة: «البنك المركزي سيحتاج إلى رؤية مزيد من الأدلة في تقارير التضخم المقبلة على أن تضخم الخدمات الأساسية يتراجع بالفعل قبل أن يتخلى تماماً عن احتمال رفع الفائدة».
قال كبير الاقتصاديين لدى «آر إس إم»، جوزيف بروسويلاس: «التحدي سيكون في كيفية تفسير الفيدرالي هذه البيانات أمام الجمهور».
بروسويلاس قال في مذكرة: «المستثمرون قد يحتفلون بضعف نمو الأسعار، بينما قد يضطر المستهلكون، خصوصاً الأسر من الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المنخفض، إلى زيادة الاعتماد على الائتمان أو خفض الاستهلاك خلال النصف الثاني من العام لمواجهة تراجع دخلهم الحقيقي المتاح للإنفاق».
ارتفع التضخم الأساسي بفعل زيادة أسعار الرعاية الصحية 0.4%، وقفزة أسعار تذاكر الطيران 2.2%، كما ارتفعت أسعار السلع المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات 1.4%، مدفوعة بزيادة بلغت 3.5% في أسعار أجهزة الكمبيوتر والملحقات والمساعدات المنزلية الذكية.
كما ارتفعت أسعار السيارات والشاحنات المستعملة، في حين سجلت أسعار الملابس والأثاث والمستلزمات المنزلية زيادات طفيفة، في مؤشرات على أن تأثير الرسوم الجمركية في الأسعار ربما بدأ في التلاشي.
ساعد كون الولايات المتحدة مصدرًا صافياً للنفط، إلى جانب السحب من مخزونات النفط، على تخفيف تأثير صدمة ارتفاع أسعار الخام الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد، لكن بعض الاقتصاديين حذروا من أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى.
يتوقع الاقتصاديون أن تتسارع وتيرة ارتفاع أسعار المستهلكين في أغسطس، نتيجة الارتفاع الأخير في أسعار النفط، كما يُتوقع أن ينتعش نمو الوظائف مع تلاشي التشوهات الموسمية.
وقالت الخبيرة الاقتصادية الأميركية لدى «بي إن بي باريبا سيكيورتيز»، بريتني جاكسون: «لا يزال سيناريو الأساس لدينا هو أن ترفع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أسعار الفائدة في ديسمبر»، مشيرة إلى أن المخاطر تميل نحو رفعها في موعد أبكر.
رغم التراجع الإجمالي، أظهرت تفاصيل التقرير بعض المؤشرات على اتساع نطاق الضغوط التضخمية، إذ قال محللو «آي إن جي بنك» إن الانخفاض الحاد في أسعار الفنادق، والذي من غير المرجح أن يستمر، كان وراء جزء كبير من التباطؤ الشهري في التضخم الأساسي.
في تصويت بنتيجة 9 مقابل 3 الشهر الماضي، أبقى مسؤولو «الفيدرالي» تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل ضمن النطاق المستهدف عند 3.50% إلى 3.75%، وهو المستوى الذي استقرت عنده منذ ديسمبر.
منذ قرار الشهر الماضي، دافع مسؤولو «الفيدرالي» الثلاثة الذين عارضوا قرار الإبقاء على الفائدة، إلى جانب اثنين من رؤساء بنوك الاحتياطي الفيدرالي الذين لا يملكون حق التصويت هذا العام، عن ضرورة رفع الفائدة بسبب استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة للغاية.
في المقابل، قال جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي «الفيدرالي» في نيويورك، وهو أحد أبرز المسؤولين في البنك المركزي، إنه يتوقع استمرار تراجع التضخم، بما يسمح للفيدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
وقال رئيس قسم الاقتصاد الأميركي لدى «فيتش ريتنغز»، أولُو سونولا، إن غياب التوجيه المستقبلي الواضح من الفيدرالي يعني أن قرار سبتمبر سيظل على الأرجح محل خلاف حتى اللحظة الأخيرة، مشيرًا إلى أن البيانات ستوفر ما يكفي لكل من مؤيدي رفع الفائدة ومؤيدي الإبقاء عليها لتقديم حججهم.
بذلك، لم تُغلق بيانات يوليو باب رفع الفائدة، لكنها جعلت فتحه في سبتمبر أكثر صعوبة. وسيحتاج «الفيدرالي» إلى مزيج أكثر وضوحًا من ارتفاع التضخم وتسارع سوق العمل لتبرير تشديد جديد للسياسة النقدية، بينما قد تمنحه أي علامات إضافية على تباطؤ الأسعار وضعف التوظيف مبررًا أقوى للإبقاء على الفائدة دون تغيير.