استقلال الفيدرالي أمام اختبار
الأصول الأميركية تدفع الثمن

بدأ شهر العسل بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش يفقد بريقه، بعدما رفع البنك المركزي الفائدة في اتجاه يناقض مطالب البيت الأبيض، ورغبة ترامب في خفض الفائدة قرب 1%.
كشف غضب ترامب من القرار عن أول شرخ علني مع الرجل الذي اختاره خلفاً لجيروم باول، آملاً أن يقود «الفيدرالي» نحو تخفيضات سريعة في تكاليف الاقتراض، في وقت تعيد فيه المواجهة مشهداً مألوفاً؛ فترامب الذي اختار باول ووارش وجد نفسه أمام رئيسين لـ«الفيدرالي» يفضلان حماية استقلاله على الاستجابة لرغباته بشأن الفائدة.
طالب ترامب في تصريحات صحفية بالبيت الأبيض عقب اجتماع «الفيدرالي» أمس، بخفض أسعار الفائدة الأميركية إلى 1% أو أقل، معتبراً أن الولايات المتحدة تستحق تكاليف اقتراض متدنية لأنها تتمتع بأفضل جدارة ائتمانية في العالم.
اتهم الرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي بأنه «عدائي» و«سياسي»، وقال إن الأعضاء رفعوا الفائدة لإضعاف أدائه الاقتصادي، فيما تجنب مهاجمة وارش شخصياً، وأكد استمرار ثقته في وارش، وقال إنه نصحه بالتصويت مع المجلس لأن صوته لن يغير النتيجة، في رواية رفض رئيس «الفيدرالي» تأكيدها.
جاء غضب ترامب بعدما رفع «الفيدرالي» الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4%، في أول زيادة منذ ثلاثة أعوام، وأشار إلى احتمال تنفيذ خطوة أخرى قبل نهاية 2026.
وعمق من الغضب، تأييد وارش القرار مع جميع أعضاء لجنة السوق المفتوحة؛ ما يضعف رواية ترامب بأن رئيس «الفيدرالي» اضطر إلى مسايرة مجلس معادٍ، ويجعل الخلاف متعلقاً بالسياسة نفسها.
يحمي استقلال «الفيدرالي» قدرته على اتخاذ قرارات غير شعبية لاحتواء التضخم، ويمنع استخدام الفائدة المنخفضة لدعم النمو مؤقتاً قبل الانتخابات.
ويؤدي فقدان الاستقلال إلى اعتقاد المستثمرين بأن السياسة ستخدم الرئيس على حساب استقرار الأسعار؛ ما يرفع علاوة المخاطر على الأصول الأميركية.
تمتد الكلفة إلى الدولار وسندات الخزانة والأسهم؛ فقد يطلب المستثمرون عائداً أعلى على الديون الطويلة، فترتفع تكلفة تمويل الحكومة والشركات والرهون العقارية.
وصف وارش الخطوة بأنها قرار «رصين وجاد ومسؤول»، مؤكداً أن التضخم ظل مرتفعاً، وأن قراءات الصيف لم تظهر تحسناً ملموساً في اتجاهاته الأساسية.
قال رئيس «الفيدرالي» إنه يصعب وصف الأوضاع المالية بأنها مقيدة، موضحاً أن اللجنة أزالت «جرعةً من التيسير» لإعادة التضخم بوتيرة أسرع نحو هدف 2%.
رفض وارش الإفصاح عن مضمون محادثاته مع ترامب، واكتفى بالتأكيد أن القرار يخدم واجب «الفيدرالي» تجاه الأميركيين، فاصلاً بين اتصالات البيت الأبيض والسياسة النقدية.
حذر «غولدمان ساكس» من أن فقدان استقلال «الفيدرالي» قد يرفع التضخم وعوائد السندات الطويلة، ويضعف الأسهم ويهدد مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط الأولى.
يرى البنك أن الذهب سيكون المستفيد الأكبر من تراجع الثقة المؤسسية، وقد يقترب من 5000 دولار إذا انتقل 1% من الأموال المستثمرة في سندات الخزانة إليه.
تعني تلك القراءة أن خفض الفائدة لا يمثل الخطر بذاته، إذ يبدأ الضرر عندما يعتقد السوق أن القرار اتُّخذ لإرضاء البيت الأبيض دون اعتبار للتضخم.
أظهر مسح أجرته «يو بي إس لإدارة الأصول» أن ثلثي مديري الاحتياطيات يخشون تعرض استقلال «الفيدرالي» للخطر، بينما يفكر 29% في خفض انكشافهم على الأصول الأميركية.
أفاد المسح بأن 52% من البنوك المركزية تخطط لزيادة حيازاتها من الذهب، فيما يتوقع ربع المشاركين خفض تعرضهم الصافي للدولار خلال عام.
ولا تشير النتائج إلى انهيار سريع لهيمنة العملة الأميركية، إذ لا يزال نحو 80% يتوقعون بقاء الدولار عملة الاحتياط العالمية، غير أنها تكشف اتجاهاً نحو التنويع.
بدأت قصة ترامب مع باول بصورة مشابهة، بعدما اختاره في نوفمبر 2017 لقيادة «الفيدرالي»، ثم انقلب عليه عندما واصل البنك رفع الفائدة خلال 2018.
تصاعد الخلاف بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، إذ رفض باول التخفيضات السريعة التي طالب بها الرئيس، مفضلاً مراقبة التضخم وتداعيات الرسوم الجمركية.
أطلق ترامب على باول لقب «متأخر جداً» ولوح بإقالته، فتراجعت الأسهم والدولار وارتفعت عوائد السندات قبل أن يتراجع تحت ضغط الأسواق.
درس ترامب تعيين وارش عام 2017، ثم اختار باول عليه، قبل أن يعود بعد تسعة أعوام ويمنحه المنصب لإنهاء المرحلة التي اصطدم بها.
اختار ترامب باول ثم خاصمه لأنه رفع الفائدة، واختار وارش للحصول على التخفيضات، قبل أن يدعم الأخير أول زيادة منذ ثلاثة أعوام.
تكشف التجربتان أن رئيس «الفيدرالي» يصبح مقيداً بالتضخم وتصويت اللجنة ومصداقية البنك، بصرف النظر عن توقعات الرئيس الذي اختاره.
لم تبدأ حرب مفتوحة بعد؛ فترامب لا يزال يعلن ثقته في وارش ويوجه غضبه نحو المجلس، فيما يتجنب رئيس «الفيدرالي» الرد المباشر.
قد تزيل زيادة جديدة في أكتوبر أو ديسمبر المسافة الآمنة بين الطرفين، خصوصاً إذا ارتفعت تكاليف الرهون والديون واقتربت انتخابات التجديد النصفي.
إذا تمسك وارش بمحاربة التضخم وتمسك ترامب بفائدة عند 1%، فقد يجد الرئيس نفسه أمام نسخة جديدة من معركة باول صنعها باختياره للمرة الثانية.
يرى مدير المحفظة لدى «دبل لاين كابيتال»، بيل كامبل، أن رفع الفائدة يثبت استقلال «الفيدرالي» وقد يساعد في احتواء العوائد طويلة الأجل.
يخشى المستثمرون بقاء التضخم دون مواجهة أكثر من خشيتهم زيادةً محدودة في الفائدة؛ لأن التضخم يقلص القيمة الحقيقية للسندات ويدفعهم إلى طلب عائد أكبر.
ترى مديرة محفظة الدخل الثابت لدى «ويلينغتون مانجمنت»، لورين موران، أن إظهار الجدية في مواجهة التضخم يدعم المصداقية ويحد من صعود علاوة الأجل.
توقع 16 من أصل 18 مسؤولاً زيادةً أخرى على الأقل قبل نهاية العام، بينما أشارت خريطة النقاط إلى وصول الفائدة لنطاق 4%–4.25% بنهاية 2026.
ويرفع الإجماع تكلفة تراجع وارش أمام الضغط السياسي؛ فأي تحول لا تدعمه بيانات التضخم قد تفسره السوق باعتباره استجابةً للبيت الأبيض.
كما يمنح القرار وارش فرصةً لإثبات أن اختياره من ترامب لا يعني تبعية السياسة النقدية، خصوصاً بعد الشكوك التي أحاطت بقدرته على حماية استقلال البنك.