
تنطلق اليوم في العاصمة السعودية الرياض أعمال النسخة التاسعة من "مبادرة مستقبل الاستثمار" (FII)، بشعار "مفتاح الازدهار". يستمر المؤتمر الدولي البارز، الذي يُعرف بـ"دافوس الصحراء"، حتى 30 أكتوبر بمشاركة أكثر من 8000 ضيف من قادة الحكومات، صناع السياسات، الرؤساء التنفيذيين، والمستثمرين العالميين، إلى جانب 650 متحدثًا و250 جلسة حوارية.
تأتي هذه النسخة في وقت حاسم للاقتصاد السعودي، حيث تسعى المملكة إلى تعزيز مكانتها كمركز استثماري عالمي، مدعومًا بجهود رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.
أطلقت المبادرة لأول مرة عام 2017 على يد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، كمنصة سنوية تُدار من قبل صندوق الاستثمارات العامة (PIF)، وتحولت في 2019 إلى مؤسسة أهلية غير ربحية ومنذ انطلاقها، ساهمت في تسهيل صفقات استثمارية تجاوزت قيمتها 200 مليار دولار في قطاعات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، الطاقة النظيفة، التمويل، واللوجستيات، مع توقيع اتفاقيات بقيمة 60 مليار دولار في النسخة السابقة عام 2024.
في نسخة هذا العام، يحتل قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الصدارة، بعد أن كان القطاع المالي يسيطر بنسبة 70% في الدورات السابقة، مع مشاركة عمالقة مثل غوغل، مايكروسوفت، وإنفيديا، إلى جانب شركات ناشئة. كما تُناقش جلسات حول "تناقضات الابتكار"، "دفع التطورات التقنية للنمو"، و"فرص الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة".
تُعد المبادرة جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية السعودية للاستثمار، التي تهدف إلى رفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 388 مليار ريال سنويًا، وزيادة الاستثمار المحلي إلى 1.7 تريليون ريال بحلول 2030، ما يرفع نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي من 22% إلى 30%.
وقد أكد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح في النسخة السابقة أن الاقتصاد السعودي تضاعف إلى 1.3 تريليون دولار، مشيرًا إلى أن "جميع الإشارات خضراء" لجذب 100 مليار دولار سنويًا من الاستثمارات الأجنبية. وتدعم هذه الجهود منصات مثل "استثمر في السعودية"، التي توحد الجهود الحكومية لترويج الفرص الاستثمارية، ومبادرات أخرى كـ"مبادرة مراس" لتسهيل إجراءات بدء الأعمال، والاستراتيجية الوطنية لسلاسل الإمداد العالمية.
منذ إطلاقها، أسهمت المبادرة في إعلان مشاريع عملاقة مثل "نيوم"، المدينة الاستثمارية المتكاملة التي تساهم بنسبة 4.5% في الناتج المحلي غير النفطي بحلول 2030، عبر قطاعات الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، والطاقة المتجددة. كما شهدت شراكات بارزة، مثل التعاون مع "بلاكستون" لصندوق استثماري مشترك، و"فيرجن غالاكتيك" في الخدمات الفضائية، و"سوفت بنك" لخطة الطاقة الشمسية 2030. وفي 2022، أطلقت المؤسسة إطارًا للحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، لفتح فرص استثمار تصل إلى 20 تريليون دولار في الأسواق الناشئة، مع التركيز على الشباب والاستدامة.
رغم التحديات السابقة، مثل إلغاء مشاركات في 2018 بسبب قضية جمال خاشقجي، عادت المبادرة أقوى، محافظة على تصنيفها كأكبر تجمع اقتصادي في المنطقة. وفي هذه النسخة، يُتوقع توقيع صفقات بـ60 مليار دولار يوم الثلاثاء، بما في ذلك عرض عربة قطار "حلم الصحراء" الفاخر بالشراكة مع "أرسينالي" الإيطالية، الذي ينطلق في 2026 لتعزيز السياحة.
يؤكد ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة المؤسسة، أن المبادرة "توحد الجهود لإيجاد حلول للتحديات العالمية"، مشددًا على دورها في تعزيز الاقتصاد الأخضر والشراكات الدولية. أما الرئيس التنفيذي ريتشارد أتياس، فيصف الشعار "مفتاح الازدهار" بأنه "دعوة لتوسيع الرؤية نحو آفاق غير محدودة".
مع هذه الفعاليات، تُعيد السعودية التأكيد على طموحاتها لتصبح من أكبر 15 اقتصادًا عالميًا، مع رفع إسهام القطاع الخاص في الناتج المحلي إلى 65%، وتقليل البطالة إلى 7%، وزيادة الصادرات غير النفطية إلى 50%. وفي الختام، تمثل المبادرة ليس فقط منتدى استثماريًا، بل بوصلة ترسم أجندة الازدهار العالمي من قلب الرياض.