
دخلت سلطنة عُمان مجال برامج الإقامة القائمة على الاستثمار بوصفه خياراً اقتصادياً محسوباً، لا مجرد أداة جذب سكاني أو تسويقي، في مرحلة تتقاطع فيها تحولات الاقتصاد العالمي مع إعادة تموضع استثماري إقليمي متسارع.
فإطلاق برنامج الإقامة الذهبية لمدة عشر سنوات يعكس قراءة استراتيجية لمعادلة الاستثمار الحديثة، حيث باتت عناصر مثل الاستقرار، والوضوح التنظيمي، وسهولة النفاذ إلى الأسواق الإقليمية، لا تقل أهمية عن حجم الحوافز المالية نفسها.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة منافسة متزايدة على رأس المال طويل الأجل، والمقار الإقليمية، والاستثمارات ذات القيمة المضافة، ضمن سياق خليجي أوسع يعيد صياغة نماذجه الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الهيدروكربونات.
ومن هنا، لا يمكن فصل الإقامة الذهبية العُمانية عن مسار «رؤية عُمان 2040»، التي أعادت تعريف دور الاستثمار الأجنبي بوصفه محركاً للتنويع الاقتصادي، وتعزيز القطاع الخاص، ورفع إنتاجية الاقتصاد الحقيقي.
يرتكز البرنامج على حد أدنى للاستثمار يبلغ 200 ألف ريال عُماني، أي نحو 520 ألف دولار أميركي، مقابل إقامة قابلة للتجديد لمدة عشر سنوات.
واعتمدت عُمان إطاراً متنوعاً يشمل سبعة مسارات رئيسية: التملك العقاري ضمن المجمعات السياحية المتكاملة، تأسيس أو الشراكة في شركة محلية، الاستثمار في سندات التنمية الحكومية، الأوراق المالية المدرجة في بورصة مسقط، الإيداع المصرفي طويل الأجل، تملك شركة توظف ما لا يقل عن 50 مواطناً عُمانياً، إضافة إلى مسار الترشيح وفق قانون استثمار رأس المال الأجنبي.
هذا التنوع يعكس تحولاً واضحاً من منطق «الإقامة مقابل مبلغ» إلى منطق «الإقامة مقابل أثر». فالتعدد في المسارات يمنح المستثمر مرونة في توزيع أصوله، وفي الوقت نفسه يتيح للدولة توجيه رأس المال نحو أهداف اقتصادية محددة، تشمل تعميق الأسواق المالية، وتعزيز السيولة المصرفية، وتحفيز تأسيس الشركات التشغيلية، وربط الإقامة مباشرة بإيجاد فرص العمل للمواطنين.
وتستند هذه المقاربة إلى دروس مستخلصة من تجارب دولية، أظهرت أن الاعتماد المفرط على الاستثمار العقاري في برامج الإقامة الاستثمارية قد يؤدي إلى تضخم أسعار الأصول وضعف الأثر الإنتاجي. ومن خلال تنويع الأدوات وربط بعضها بشروط تشغيل واضحة، تحاول عُمان منذ البداية بناء نموذج أكثر توازناً واستدامة.
يتزامن إطلاق البرنامج مع تحسّن ملحوظ في مؤشرات الاستثمار الأجنبي المباشر في السلطنة، فوفق بيانات رسمية صادرة عن «المركز الوطني للإحصاء والمعلومات»، بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في نهاية الربع الأول من عام 2025 نحو 30.611 مليار ريال عُماني، مع تدفقات نقدية بلغت نحو 5.225 مليار ريال عُماني، وهو ما يمثل ارتفاعاً عن نفس الفترة من عام 2024.
ورغم أن هذه الزيادة لا يمكن نسبتها مباشرة إلى البرنامج الجديد، إلا أنها تؤكد قدرة الاقتصاد العُماني على استيعاب تدفقات استثمارية كبيرة ضمن إطار مؤسسي منظم وشفاف.
من منظور تحليلي، لا يُقاس الأثر الحقيقي للإقامة الذهبية بحجم الاستثمار الداخل فحسب، بل بتركيبته القطاعية. فالسؤال المركزي يتمثل في: إلى أي مدى تسهم هذه الاستثمارات في القطاعات غير النفطية؟ وكم منها يتحول إلى شركات تشغيلية وسلاسل قيمة وفرص عمل، بدل أن يظل محصوراً في أصول جامدة منخفضة الأثر الإنتاجي؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد القيمة الاقتصادية الفعلية للبرنامج على المدى المتوسط.
ضمن هذا الإطار، تبرز الميزة الأسرية في البرنامج، وهي كفالة الزوج أو الزوجة والأبناء دون قيود عمرية، كعامل اقتصادي غير مباشر، لكنه مؤثر في قرارات الاستثمار طويلة الأجل. فالاستقرار الأسري يزيد من احتمالات انتقال المستثمر من استثمار محدود إلى حضور اقتصادي متكامل يشمل تأسيس أعمال، واستخدام خدمات محلية، وبناء شبكة علاقات طويلة الأمد.
كما أن إتاحة تملّك عقارات إضافية ضمن أطر تنظيمية واضحة، والسماح بتوظيف عدد محدد من العمالة المنزلية دون كفيل، يسهمان في تقليل الاحتكاك البيروقراطي، ما يعزز جاذبية الإقامة للمستثمرين ذوي التنقل الدولي المرتفع، ويحوّل الامتيازات المعيشية إلى عناصر داعمة للقرار الاستثماري.
تستند الجاذبية الاستثمارية لعُمان كذلك إلى معادلة جغرافية–اقتصادية واضحة. فموقع السلطنة عند ملتقى آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط يوفّر منفذاً طبيعياً إلى أسواق إقليمية يتجاوز حجمها 2.6 مليار مستهلك. ويدعم هذا الموقع ساحل يمتد لأكثر من 3,100 كيلومتر، ما يمنح عُمان قدرة تنافسية في مجالات الخدمات اللوجستية، والموانئ، وسلاسل الإمداد، وصادرات الطاقة.
إلى جانب ذلك، تتمتع السلطنة بسمعة راسخة في الحياد وانخفاض المخاطر الجيوسياسية، وهو عامل يكتسب وزناً متزايداً في قرارات الاستثمار طويلة الأجل. أما نقدياً، يشكّل ارتباط الريال العُماني بالدولار الأميركي عنصر استقرار إضافي، إذ يقلل من مخاطر تقلبات العملة ويحد من كلفة التحوط للمستثمرين الدولاريين والمؤسسات المالية.
جذب هذا النموذج اهتمام شريحة من مكاتب العائلات والمستثمرين المؤسسيين الذين يدرجون الاستقرار التنظيمي وقابلية التنبؤ ضمن معاييرهم الأساسية، إلى جانب عوامل أخرى.
وتشير مؤشرات أولية إلى اهتمام متزايد من مستثمرين في الهند وأوروبا وشرق آسيا، وهي مناطق ترتبط بعُمان بعلاقات تجارية تاريخية، ما يعكس انسجام البرنامج مع أنماط الاستثمار التقليدية للسلطنة، وليس مجرد استقطاب ظرفي لرأس مال سريع الحركة.
إذا استمر الزخم الحالي ضمن إطار تنظيمي فعّال، يُرجّح أن يسهم البرنامج في جذب ما بين 3 و5 مليارات دولار أميركي من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول 2030، مع استفادة قطاعات مثل الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية البحرية، والسياحة البيئية، والخدمات المالية. غير أن تحقيق هذا السيناريو يبقى مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على الحفاظ على توازن دقيق بين الجذب الاستثماري وضبط الأثر على أسواق الأصول والاقتصاد الحقيقي.