المستوردون يتحولون إلى أوروبا والبدائل أكثر تكلفة
التعطل يهدد بالانتقال من أزمة شحن إلى الإنتاج

دخلت أسواق القمح تعاملات الخميس بعد موجة صعود دفعت العقود الأوروبية والأميركية إلى قمم جديدة، مع استمرار توقف الجزء الأكبر من شحنات الحبوب الروسية والأوكرانية عبر البحر الأسود، وتصاعد المخاوف من امتداد الأزمة من تعطيل التجارة الحالية إلى إنتاج الموسم المقبل.
دفعت الهجمات المتبادلة والتصعيد الأخير في حرب أوكرانيا خلال الأسابيع الأخيرة عمليات تحميل الحبوب في الموانئ الروسية والأوكرانية إلى مستويات تقترب من التوقف الكامل، بينما واصلت السفن التجارية العمل وسط مخاطر أمنية متزايدة وهجمات طالت موانئ وسفناً ومنشآت تصدير.
اعتبرت «لاش ستوك كونسلتينغ» للاستشارات التجارية أن التراجع جاء نتيجة جني الأرباح والتحوّط بعد موجة أغسطس، وليس تغيراً جوهرياً في عوامل السوق.
أظهرت بيانات «إس آند بي غلوبال» أن روسيا وأوكرانيا توفران معاً نحو 27% من صادرات القمح العالمية، فيما أزالت الهجمات على موانئ منطقة أوديسا نحو ثلث قدرة أوكرانيا على تصدير الحبوب، بالتزامن مع اضطراب تدفقات روسيا عبر البحر الأسود وبحر آزوف.
رصدت «إس آند بي غلوبال» أيضاً توقف صادرات الحبوب من موانئ بحر آزوف الروسية منذ يوليو، وهي مسارات تمثل نحو ربع صادرات الحبوب الروسية، فيما دفعت المخاطر أصحاب السفن إلى الابتعاد عن بعض الموانئ، ورفعت تكلفة شحن القمح من البحر الأسود إلى مصر إلى نحو 70 دولاراً للطن.
قالت «لاش ستوك كونسلتينغ» صباح الخميس إن صادرات البحر الأسود «بالكاد تتحرك»، مشيرة إلى أن أوكرانيا صدرت خلال أغسطس نحو ثلث قدرتها المحتملة فقط، بينما ترفض روسيا حتى الآن العودة إلى ممر الحبوب.
تمر نحو 90% من صادرات الحبوب الروسية عادةً عبر البحر الأسود، الذي تعامل مع 46.3 مليون طن خلال الموسم الماضي، مقارنة بنحو مليون طن فقط عبر الموانئ الروسية على بحر البلطيق؛ ما يكشف اتساع الفجوة التي تحاول موسكو تعويضها عبر الطرق الشمالية.
ارتفعت طلبات نقل الحبوب بالسكك الحديدية إلى الموانئ الروسية على البلطيق إلى نحو 5 ملايين طن بحلول منتصف أغسطس، لكن الطاقة السنوية للموانئ الروسية هناك تبلغ نحو 7 ملايين طن فقط؛ ما يجعلها غير قادرة منفردة على استبدال ممرات الجنوب.
وحذر مدير شركة «سوف إيكون»، أندريه سيزوف، من أن الإجراءات الروسية لدعم التصدير لن تحل سريعاً اختلال السوق، فيما طالب مزارعون بإعادة النظر في المساحات المزروعة بعد تراكم الحبوب محلياً وهبوط الأسعار التي يحصل عليها المنتجون بسبب صعوبة الوصول إلى أسواق التصدير.
تحوّل جزء من طلب المستوردين بالفعل من روسيا وأوكرانيا إلى فرنسا ورومانيا وبولندا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي، مع بحث المشترين عن إمدادات يمكن شحنها دون تحمل مخاطر البحر الأسود.
وأظهرت أحدث تقديرات منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» أن قوة صادرات الاتحاد الأوروبي والأرجنتين رفعت تقديرات تجارة القمح العالمية للموسم السابق، لكن المنظمة لا تزال تتوقع انخفاض تجارة القمح عالمياً في موسم 2026-2027 بنحو 9.8 مليون طن، أو 4.7%.
كما أبقى مركز الأبحاث المشترك للمفوضية الأوروبية توقعات غلال معظم الحبوب الشتوية بالقرب من متوسط خمس سنوات، لكنه أكد أن موجات الحر ونقص المياه أضرا بالمحاصيل في مناطق واسعة من فرنسا وألمانيا ووسط أوروبا؛ ما يقلل قدرة المنطقة على توفير بديل غير محدود لأيّ نقص ممتد من البحر الأسود.
تقدر «الفاو» إنتاج الحبوب العالمي في 2026 عند 2983 مليون طن، بانخفاض 1.9% عن المستوى القياسي المسجل العام الماضي، لكنه يظل ثاني أعلى محصول في التاريخ، فيما تتوقع وصول المخزونات العالمية بنهاية المواسم في 2027 إلى 957.8 مليون طن.
ترى «الفاو» أن وفرة المخزونات العالمية توفر حماية لأسواق الحبوب رغم تراجع الإنتاج عن المستوى القياسي المسجل العام الماضي، فيما تبقى اضطرابات التجارة وارتفاع تكاليف الشحن من أبرز المخاطر التي تواجه وصول الإمدادات إلى الدول المستوردة.
كذلك أظهر «مجلس الحبوب الدولي» في أحدث تقاريره الصادرة في الـ28 من أغسطس أن إنتاج الحبوب العالمي يتجه إلى نحو 2422 مليون طن، فيما يظل حجم التجارة كبيراً عند نحو 451 مليون طن؛ ما يزيد حساسية السوق لأيّ تعطيل طويل في أحد أكبر ممرات التصدير العالمية.
انتقلت تداعيات الأزمة إلى دخل المزارعين في روسيا وأوكرانيا، إذ أدى تعطل الموانئ إلى تراكم الحبوب وانخفاض الأسعار المحلية، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف النقل والتمويل ومدخلات الموسم الجديد.
وحذر نائب رئيس مبيعات المقاصة والتنفيذ لدى «ستون إكس»، برتراند أوسترل، من تحول المشكلة من أزمة لوجيستية إلى أزمة إنتاج، مع تراجع قدرة المنتجين على تمويل شراء البذور والأسمدة إذا استمر انخفاض الأسعار التي يحصلون عليها عند المزرعة.
كما دفعت الضغوط بعض جماعات المزارعين الروس إلى المطالبة بخفض زراعة المحاصيل الشتوية، فيما تحاول موسكو دعم القطاع عبر تعليق رسوم التصدير وشراء الحبوب للمخزون الحكومي وتقديم قروض ومساعدات للنقل.
توقعت «لاش ستوك كونسلتينغ» أن تحتاج أسعار القمح إلى بعض التصحيح بعد صعود أغسطس الحاد، لكنها اعتبرت من الصعب تبني رؤية هبوطية للسوق قبل عودة تدفقات ملموسة للحبوب عبر البحر الأسود، خصوصاً بعدما عاد المشترون سريعاً إلى السوق عند انخفاض الأسعار خلال جلسة الأربعاء.
يرى كبير الاقتصاديين للسلع لدى «ستون إكس»، أرلان سودرمان، أن الموردين البديلين يستطيعون إبقاء الأسواق مزودة بالقمح في المدى القريب.
وحذر سودرمان من أن تأثير فقد إمدادات البحر الأسود قد يصبح أكثر وضوحاً في الربع الأخير أو مطلع العام المقبل إذا استمر تعطيل الصادرات؛ ما يجعل عودة حركة الشحن العامل الأكثر حسماً في مسار الأسعار بعد القمم الأخيرة.