الخزانة الأميركية تدفع نحو ين أقوى أمام الدولار
بيانات الوظائف قد تحسم معركة الفيدرالي المقبلة

ارتفع الدولار قليلاً، خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، إلا انه يظل ممزقاً بين ثلاث قوى أميركية تدفعه في اتجاهات متعارضة، إذ يعزز رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» كيفن وارش رهانات رفع الفائدة، بينما يريد الرئيس دونالد ترامب تكلفة اقتراض أقل، في حين يدفع وزير الخزانة سكوت بيسنت باتجاه ين أقوى.
تبدو المفارقة أكبر مع فشل العملة الأميركية في الاستفادة من ارتفاع عوائد سندات الخزانة وصعود النفط فوق 91 دولاراً، رغم قفزة احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر إلى نحو 65% من 41% قبل أسبوع؛ ما يضع الدولار أمام معادلة غير معتادة بين السياسة النقدية وأهداف البيت الأبيض وتحركات الخزانة.
تنتقل الكلمة التالية إلى البيانات الأميركية، مع ترقب الوظائف الشاغرة وتقرير «إيه دي بي» والوظائف غير الزراعية، والتي قد تحدد ما إذا كان تشدد وارش قادراً على دفع الدولار إلى مسار أقوى، أم أن ضغوط ترامب وتحركات بيسنت ستبقي العملة عالقة بين اتجاهين.
قالت محللة العملات لدى بنك «كومنولث بنك أستراليا»، كارول كونغ، إنه من اللافت أن ارتفاع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأميركية لم يقدم الدعم المعتاد للدولار.
ترى كونغ أن ضعف العملة قد يعكس إعادة تقييم الأسواق لمدى كفاية موقف وارش المتشدد لاستعادة مصداقية «الفيدرالي» في مكافحة التضخم، إلى جانب الضغوط الناتجة عن ارتفاع توقعات رفع بنك اليابان الفائدة.
أضافت أن تزايد احتمالات تشديد السياسة النقدية اليابانية يمثل عاملاً إضافياً يضغط على الدولار، مع ارتفاع تسعير رفع بنك اليابان الفائدة في سبتمبر إلى نحو 73%.
قفزت رهانات رفع الفائدة الأميركية بعد خطاب وارش في «جاكسون هول»، إذ يسعر المتعاملون حالياً احتمالاً بنحو 65% لزيادة أسعار الفائدة في سبتمبر، مقابل 41% قبل أسبوع.
وغيّر «باركليز» توقعاته عقب الخطاب، وأصبح يتوقع زيادتين بواقع 25 نقطة أساس في سبتمبر وديسمبر، بعدما كان البنك يتوقع سابقاً عدم رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال العام.
كما وصف «باركليز» خطاب وارش بأنه متشدد بصورة واضحة، معتبراً أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة يرجح استئناف التشديد، حتى مع توقع البنك اعتدال الضغوط السعرية الشهرية خلال الفترة المقبلة.
لا تتفق مؤسسات «وول ستريت» على أن تشدد وارش يعني بالضرورة رفع الفائدة في سبتمبر؛ ما يبقي تسعير الخطوة بعيداً عن مستويات اليقين رغم التحوّل الكبير بعد «جاكسون هول».
يرى «بنك أوف أميركا» أن رفع الفائدة أصبح السيناريو الأساسي، معتبراً أن عدم التحرك بعد اللهجة القوية لوارش قد يضع مصداقية رسالته بشأن مكافحة التضخم تحت الاختبار.
في المقابل، لا يزال «مورغان ستانلي» متشككاً في رفع سبتمبر، ويراهن على أن البيانات المقبلة ستسمح لـ«الفيدرالي» بتثبيت الفائدة، بينما يرى كبير الإستراتيجيين العالميين لدى «جيه بي مورغان أسيت مانجمنت»، ديفيد كيلي، أن تباطؤ مؤشرات سوق العمل يقلل الحاجة إلى زيادة وشيكة.
ترى كبيرة إستراتيجيي الاستثمار لدى «بلاك روك»، غارغي بال شودري، أن خطاب وارش كان متشدداً، لكنه لا يعني بالضرورة أن رئيس «الفيدرالي» أعطى إشارة إلى تحرّك فوري في الاجتماع المقبل.
قال وارش في «جاكسون هول» إن «الفيدرالي» سيكون أمامه عمل يتعيَّن القيام به إذا لم يحصل صانعو السياسة على الثقة اللازمة بأن التضخم يتحرك نحو هدف البنك المركزي البالغ 2%.
في المقابل، جدد ترامب مطالبته بخفض تكلفة الاقتراض، قائلاً إن الولايات المتحدة يجب أن تدفع أسعار فائدة هي الأدنى في العالم بفارق كبير، لكنه أكد احترامه لوارش وأن رئيس «الفيدرالي» سيفعل ما يتعيّن عليه فعله.
ويدعم تشدد وارش عوائد السندات وتوقعات الفائدة، وهي عوامل داعمة للدولار عادة، بينما يضغط ترامب باتجاه سياسة نقدية أكثر تيسيراً تخفض تكلفة الأموال.
كان محلل بنك «رابوبنك»، إلوين دو غروت، اعتبر أن خطاب وارش استهدف رفع توقعات زيادة الفائدة وإعادة التوازن في نقاش سبتمبر لصالح معسكر التشديد، إلى جانب إعادة بناء مصداقية «الفيدرالي» في مكافحة التضخم.
كثف بيسنت ضغوطه على الحكومة اليابانية وبنك اليابان لاتخاذ إجراءات تؤدي إلى تقوية الين، بعد تدخل أميركي ياباني مشترك لدعم العملة في أواخر يوليو.
بيسنت قال: إن لديه «معلومات لا يملكها السوق»، وإنه يعتقد أن الحكومة اليابانية وبنك اليابان سيتخذان خطوات تقود إلى ين أقوى، فيما تسعر الأسواق احتمالاً بنحو 73% لزيادة الفائدة اليابانية خلال سبتمبر.
ترى كونغ من «كومنولث بنك أستراليا» أن تزايد توقعات رفع بنك اليابان الفائدة أضاف مزيداً من الضغط على الدولار.
ويأتي موقف الخزانة الداعم لين أقوى في الوقت الذي يحاول فيه وارش تثبيت مصداقية مكافحة التضخم عبر سياسة نقدية أكثر تشدداً يمكن أن تدعم الدولار.
لم ينجح تجاوز خام برنت مستوى 91 دولاراً وارتفاع عوائد سندات الخزانة في دفع الدولار إلى الصعود، رغم أن زيادة أسعار الطاقة تعزز مخاطر التضخم وتدعم عادة توقعات بقاء الفائدة مرتفعة.
قالت كونغ من «كومنولث بنك أستراليا» إن عدم استفادة الدولار من العاملين كان لافتاً، في ظل إعادة الأسواق تقييم تشدد وارش وتزايد رهانات رفع بنك اليابان الفائدة.
يزيد ارتفاع النفط مخاطر استمرار ضغوط الأسعار، بعدما أكد وارش أن «الفيدرالي» سيكون أمامه مزيد من العمل إذا لم يقتنع صانعو السياسة بعودة التضخم نحو هدف 2%.
تترقب الأسواق سلسلة من بيانات سوق العمل الأميركية خلال الأسبوع، بداية من الوظائف الشاغرة، مروراً بتقرير التوظيف الصادر عن «إيه دي بي»، وصولاً إلى الوظائف غير الزراعية يوم الجمعة.
يرى «مورغان ستانلي» أن البيانات المقبلة يمكن أن توفر مبرراً لتثبيت الفائدة في سبتمبر، بينما يضع «بنك أوف أميركا» رفع الفائدة في السيناريو الأساسي بعد اللهجة المتشددة لوارش.
يرى كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «تي إس لومبارد»، ستيفن بليتز، أن خطاب وارش كشف تحولاً متشدداً واضحاً، لكنه لا يستبعد أن تمنح بيانات تضخم أكثر اعتدالاً رئيس «الفيدرالي» مساحة لتأجيل رفع الفائدة إلى ما بعد سبتمبر.
يبقي انقسام البنوك الدولار أمام اختبار البيانات قبل اجتماع سبتمبر، إذ يراهن «باركليز» و«بنك أوف أميركا» على تشديد السياسة، بينما لا يرى «مورغان ستانلي» و«جيه بي مورغان» أن رفع الفائدة أصبح محسوماً.
تضيف المواقف الأميركية ثلاثة اتجاهات للعملة، مع مطالبة ترامب بفائدة أقل، وتمسك وارش بأولوية التضخم، ودعم بيسنت تحركات تقود إلى ين أقوى أمام الدولار.
كذلك تبقى بيانات سوق العمل المحطة الأقرب لحسم جانب من المعركة، بعدما فشل الدولار حتى الآن في الاستفادة من ثلاثة عوامل داعمة تقليدياً له، هي ارتفاع النفط وعوائد السندات وتصاعد رهانات رفع الفائدة.