حيازات اليابان من السندات تفسر قلق واشنطن
حيازات اليابان من السندات تفسر قلق واشنطن

استقر الين قرب مستوى 160 مقابل الدولار خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، لكن رسالة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت حملت ما هو أبعد من حركة العملة، بعدما أكد امتلاكه «معلومات لا يملكها السوق» وتوقع تحركات من الحكومة اليابانية وبنك اليابان تقود إلى ين أقوى.
تأتي تصريحات بيسنت بعد شهر من تدخل مشترك نادر بين الولايات المتحدة واليابان لوقف انهيار الين، وفر دعماً سريعاً للعملة قبل أن تفقد معظم مكاسبها؛ ما أعاد التساؤلات بشأن قدرة التدخل وحده على تغيير اتجاه السوق.
تتحول الأنظار إلى بنك اليابان، مع تسعير الأسواق احتمالاً بنحو 73% لرفع الفائدة في سبتمبر، بينما يرى محللون أن تحركاً واحداً قد لا يكون كافياً لإنهاء الضغوط الناتجة عن فجوة العوائد وارتفاع النفط.
قال بيسنت: «لدي معلومات لا يملكها السوق، وأعتقد أن الحكومة اليابانية وبنك اليابان سيفعلان ما يؤدي إلى تقوية الين»، في أحدث إشارة من واشنطن إلى توقع تحرك ياباني قريب لدعم العملة.
جاءت التصريحات بعد يوم من قول وزير الخزانة الأميركي إنه يتوقع من محافظ بنك اليابان كازو أويدا أن «يفعل الشيء الصحيح» بشأن السياسة النقدية، فيما أكد أن التحركات الأخيرة للين ظلت إلى حد كبير تحت السيطرة.
لم يكشف بيسنت طبيعة المعلومات التي يمتلكها، لكنه أشار رداً على سؤال بشأن احتمال رفع الفائدة إلى أن السوق بدأت بالفعل في تسعير الخطوة.
ربط بيسنت خلال الأسابيع الماضية بين استقرار الأسواق اليابانية والمصالح الاقتصادية الأميركية، متعهداً بمواصلة دعم طوكيو إذا استدعت ظروف السوق ذلك.
قال بيسنت عقب التدخل المشترك إن الولايات المتحدة لن تتردد في المشاركة في تدخلات إضافية، مؤكداً دعم واشنطن للخطوات اليابانية لتصحيح ما وصفه بالتقييم المنخفض بصورة كبيرة للين.
يرى كبير مديري المحافظ لدى «مانولايف إنفستمنت مانجمنت»، ناثان ثوفت، أن الولايات المتحدة تستطيع التأثير في اتجاه السوق من خلال التنسيق مع اليابان، لكنها لا تستطيع تغيير العوامل الأساسية التي تتحكم في العملة.
تظل اليابان أكبر حامل أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، بحيازات تتجاوز تريليون دولار، ما يربط تحركات الين مباشرة بسوق الدين الأميركية.
يرى محللو بنك «آي إن جي» أن بيع اليابان حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية لتمويل تدخلات إضافية في سوق العملات سيمثل خطراً أكبر على الأسواق العالمية من ارتفاع علاوة المخاطر على الين نفسه.
ويحذر البنك من أن تراجع الطلب الياباني على الدين الأميركي يأتي في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى استمرار مشاركة المستثمرين الأجانب لمنع عوائد سندات الخزانة من الارتفاع بصورة أكبر.
تتيح آلية إعادة الشراء للسلطات النقدية الأجنبية والدولية التابعة لـ«مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، المعروفة باسم «فيما ريبو»، للبنوك المركزية رهن سندات الخزانة مقابل الحصول على دولارات مؤقتاً، بدلاً من بيعها مباشرة.
أشار محللو بنك «آي إن جي» إلى أن أدوات توفير السيولة الدولارية يمكن أن تخفف مخاطر البيع المباشر، بينما ترتبط المشكلة الأطول أجلاً بجاذبية الدين الأميركي للمستثمر الياباني مع ارتفاع العوائد داخل اليابان.
وشاركت الولايات المتحدة اليابان في شراء الين نهاية يوليو، في أول تدخل مشترك من نوعه منذ 1998، بعدما هبطت العملة اليابانية إلى أضعف مستوياتها أمام الدولار منذ نحو أربعة عقود.
نفذ بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك العملية نيابة عن وزارة الخزانة الأميركية، بينما استخدمت واشنطن أصولاً مقومة باليورو لشراء الين؛ ما جنّب العملية الأميركية بيع سندات الخزانة لتمويل التدخل.
يرى «بي إن واي» أن التدخل المشترك أرسل إشارة سياسية قوية واشترى وقتاً لطوكيو، لكنه لا يوفر أساساً لتحول مستدام في اتجاه الين دون تغير العوامل الاقتصادية وراء ضعف العملة.
ارتفع الين من مستويات قاربت 164 مقابل الدولار إلى نحو 156 عقب التدخل المشترك، قبل أن يفقد جانباً كبيراً من مكاسبه ويعود إلى الاقتراب من 160.
يرى كبير المحللين المعنيين بشؤون آسيا لدى بنك «يو بي بي»، كارلوس كازانوفا، أن التدخلات لا تحقق تاريخياً أثراً مستداماً إلا عندما تتحرك العوامل الاقتصادية الأساسية في الاتجاه نفسه.
يربط كازانوفا استمرار الضغوط على الين باتساع فجوة أسعار الفائدة، وبقاء الفائدة الحقيقية في اليابان سالبة، إلى جانب الوتيرة الحذرة لبنك اليابان في تشديد السياسة النقدية.
تضيف عوائد سندات الخزانة الأميركية المرتفعة مزيداً من الضغط، بينما يؤدي صعود أسعار النفط إلى تدهور شروط التجارة اليابانية باعتبار البلاد مستورداً رئيسياً للطاقة.
قالت كبيرة استراتيجيي الاستثمار لدى «ساكسو»، تشارو تشانانا، إن رفع بنك اليابان الفائدة في سبتمبر أصبح بالفعل مسعراً بدرجة كبيرة في الأسواق.
أتاحت أسعار الفائدة اليابانية المنخفضة للمستثمرين لسنوات اقتراض الين بتكلفة رخيصة عبر صفقات المناقلة «كاري تريد»، وتحويل الأموال إلى الدولار والأصول ذات العائد الأعلى.
يرى محللو بنك «آي إن جي» أن ارتفاع عوائد السندات اليابانية بدأ يغير المعادلة، إذ أصبحت الأصول المحلية أكثر جاذبية للمستثمر الياباني مقارنة بسندات الخزانة الأميركية بعد احتساب تكلفة التحوط من العملة.
يحذر البنك من أن عودة رؤوس الأموال اليابانية إلى الداخل يمكن أن تضعف الطلب على سندات الخزانة الأميركية حتى دون بيع طوكيو حيازاتها لتمويل التدخل؛ ما قد يضيف ضغوطاً صعودية على العوائد الأميركية.
حذر «بنك التسويات الدولية» من أن فك صفقات المناقلة بالين يمكن أن يمتد سريعاً إلى أسواق أخرى، مع اضطرار المستثمرين إلى إغلاق مراكزهم وبيع الأصول التي مولتها القروض اليابانية، بما يشمل الأسهم والسندات والأصول مرتفعة العائد.
ترى تشانانا من «ساكسو» أن ارتفاع العوائد الأميركية وصعود النفط يعنيان أن الين يحتاج إلى مسار أكثر تشدداً من بنك اليابان بعد سبتمبر، وليس مجرد رفع واحد، حتى يبتعد بصورة مستدامة عن مستوى 160.
تسعر الأسواق حالياً احتمالاً بنحو 73% لرفع الفائدة اليابانية خلال سبتمبر، بينما يرى «بي إن واي» أن التدخل يشتري الوقت، لكن تحولاً مستداماً للعملة يحتاج إلى تغير في الأساسيات والسياسة النقدية.
ارتفع الين قليلاً إلى 159.81 مقابل الدولار خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما تجاوز مستوى 160 في الجلستين السابقتين، قبل أن تمنحه تصريحات بيسنت دعماً محدوداً.
ترى تشانانا من «ساكسو» أن مستوى 160 سيظل تحت الضغط ما لم يقدم بنك اليابان مساراً أكثر تشدداً يمتد إلى ما بعد اجتماع سبتمبر، خصوصاً مع استمرار ارتفاع العوائد الأميركية وأسعار النفط.
يبقي بيسنت السؤال مفتوحاً قبل الاجتماع، بعدما انتقلت واشنطن من التدخل المباشر لشراء الين إلى الضغط على بنك اليابان، بينما تنتظر السوق معرفة ما إذا كانت «المعلومات التي لا تملكها» تعني رفعاً للفائدة فقط أم تحولاً أوسع في السياسة النقدية اليابانية.