التضخم يلتهم مكاسب الأجور
الفائدة تضع الحكومة بمأزق

كشفت بيانات إنفاق الأسر اليابانية الصادرة اليوم الجمعة استمرار انكماش الاستهلاك للشهر التاسع على التوالي، رغم تباطؤ وتيرة التراجع السنوي، في إشارة إلى صعوبة استعادة القوة الشرائية للأسر.
تضع الأرقام بنك اليابان أمام معضلة جديدة، إذ يهدد رفع الفائدة بإضعاف الطلب المحلي، بينما يفاقم استمرار ضعف الين تكلفة الواردات وضغوط التضخم التي تلتهم جزءاً من مكاسب الأجور.
تواجه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي اختباراً اقتصادياً وسياسياً حساساً، بعدما ساهم غلاء المعيشة، إلى جانب أزمات سياسية وانتخابية، في تقويض حكومتي فوميو كيشيدا وشيغيرو إيشيبا.
أوضحت كبيرة الاقتصاديين لدى «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، هارومي تاغوتشي، أن التدابير الحكومية خففت التضخم جزئياً، لكن ارتفاع أسعار الغذاء أبقى الضغوط على الأسر.
أشارت تاغوتشي إلى أن تزايد أعداد المتقاعدين يحد من انتقال مكاسب الأجور إلى الاستهلاك، لأن هذه الشريحة لا تستفيد مباشرة من ارتفاع رواتب العاملين.
كشفت البيانات تراجع الإنفاق على التعليم والترفيه والغذاء والمرافق، بينما سجل النقل والاتصالات تحسناً محدوداً، ما يعكس استمرار حذر المستهلكين تجاه النفقات.
توقع كبير الاقتصاديين لدى «نومورا ريسيرش إنستيتيوت»، تاكاهيدي كيوتشي، تثبيت بنك اليابان الفائدة خلال اجتماعه يومي 29 و30 أكتوبر، رغم استمرار توجه البنك نحو التشديد النقدي.
أوضح كيوتشي أن مناقشات اجتماع سبتمبر لم تتضمن دعوات صريحة إلى زيادة متتالية في أكتوبر أو رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس، ما يرجح التريث قبل الخطوة التالية.
قدّر الخبير احتمال رفع الفائدة في أكتوبر بنحو 20% وفق تسعير الأسواق مطلع الشهر، مرجحاً زيادة جديدة في ديسمبر، مع وصول الفائدة النهائية إلى نطاق يتراوح بين 1.75% و2%.
توقع عضو مجلس إدارة بنك اليابان السابق، أساهي نوغوتشي، رفع الفائدة إلى 1.5% في ديسمبر، مع احتمال زيادتها لاحقاً إلى 1.75% أو 2% وفق تطورات التضخم والاقتصاد العالمي.
حذر نوغوتشي من أن وصول الفائدة إلى 2% قد يصدم اقتصاداً اعتاد تكاليف الاقتراض المنخفضة، بينما يؤدي التوسع المالي المفرط إلى ارتفاع عوائد السندات وإضعاف الاستثمار الخاص.
اعتبر المسؤول السابق أن اليابان لم تعد بحاجة إلى التحفيز الاستثنائي، داعياً إلى إنهاء مرحلة الفائدة شديدة الانخفاض تدريجياً مع استمرار مخاطر التضخم وضعف العملة.
أكدت تاكايتشي اليوم الجمعة أن حكومتها تراقب تحركات الين والتضخم بعناية، وستتخذ الإجراءات المناسبة وفق التطورات الاقتصادية، وسط استمرار المخاوف بشأن تكاليف المعيشة.
تحرك الين قرب 157.7 مقابل الدولار خلال الأسبوع، فيما بلغت عوائد السندات اليابانية لأجل 30 عاماً مستوى قياسياً عند 4.23%، مع تصاعد القلق بشأن الإنفاق الحكومي.
تزيد العملة الضعيفة تكلفة واردات الطاقة والغذاء، بينما يفرض ارتفاع العوائد ضغوطاً إضافية على خطط الحكومة لتحفيز الاقتصاد دون الإضرار بالثقة المالية.
انتهت حكومة كيشيدا في أكتوبر 2024 وسط تراجع الثقة السياسية وفضائح التمويل الحزبي وضغوط المعيشة، قبل أن يتولى إيشيبا السلطة متعهداً بمعالجة الأسعار وتحسين دخول الأسر.
استقال إيشيبا من قيادة الحزب الحاكم في سبتمبر 2025، بعد خسائر انتخابية وخلافات داخلية، وانتهت حكومته في أكتوبر، لتصل تاكايتشي إلى السلطة وسط استمرار تحديات الاقتصاد.
لم يكن التضخم السبب الوحيد لرحيل الحكومتين، لكنه شكّل أحد الملفات التي أضعفت الثقة في قدرة السلطة على حماية مستويات المعيشة وتحويل زيادات الأجور إلى تحسن ملموس.
تعتزم حكومة تاكايتشي خفض ضريبة استهلاك الغذاء من 8% إلى 1% اعتباراً من أبريل 2027، في محاولة لتخفيف الأعباء عن المستهلكين وتحسين القوة الشرائية.
استبعدت تاغوتشي أن يحدث الخفض الضريبي انتعاشاً كبيراً في الإنفاق، مرجحة أن يقتصر تأثيره على الحد من تدهور الاستهلاك، بدلاً من إطلاق موجة طلب جديدة.
أعلنت الحكومة اليوم مراجعة 201 صندوق حكومي تضم نحو 7 تريليونات ين، بحثاً عن موارد لتمويل تعهداتها، مع سعي تاكايتشي إلى احتواء القلق بشأن الديون.
يترقب المستثمرون اجتماع بنك اليابان في نهاية أكتوبر، وسط تعارض استمرار التضخم وضعف الين مع بيانات الاستهلاك التي تدعو إلى الحذر من تسريع رفع الفائدة.
رجح كيوتشي استمرار التشديد التدريجي، بينما حذر نوغوتشي من مخاطر الفائدة المرتفعة، في اختبار لقدرة الحكومة والبنك المركزي على حماية القوة الشرائية دون إضعاف النمو.
توقع بنك «إم يو إف جي» تثبيت الفائدة في أكتوبر ورفعها 25 نقطة أساس في ديسمبر إلى 1.5%، وصولاً إلى 2% بحلول منتصف 2027، معتبراً أن استمرار التشديد ضروري لدعم الين واستعادة الثقة في السياسة النقدية.