الديون الأميركية تعزز طلب التحوط
البنوك تراهن على صعود جديد

سجلت أسعار الذهب ارتفاعاً قوياً في تعاملات اليوم الجمعة، مدفوعة بإعادة تقييم المستثمرين للمخاطر التضخمية وتوقعات السياسة النقدية الأميركية، بعدما عززت احتمالات تأجيل الزيادة المقبلة في أسعار الفائدة فرص المعدن النفيس لتعويض جزء من خسائره الأخيرة.
وجاء تعافي الذهب بالتزامن مع استمرار المخاوف بشأن ارتفاع مستويات الدين الأميركي، رغم استقرار عوائد سندات الخزانة والدولار قرب مستويات مرتفعة، وذلك عقب موجة من الضغوط البيعية دفعت أسعار المعدن النفيس إلى أدنى مستوياتها في شهرين.
وتتباين تقديرات المؤسسات المالية بشأن قدرة الذهب على مواصلة التعافي، في ظل تأثيرات متعارضة بين استمرار التشديد النقدي الأميركي، الذي يحد من جاذبية الأصول غير المدرة للعائد، وتصاعد المخاطر المرتبطة بالديون والاضطرابات الجيوسياسية، التي تدعم الطلب على المعدن النفيس بوصفه أداة للتحوط.
رأى استراتيجيو السلع لدى «ساكسو بنك» أن تحركات أسعار الذهب تعكس تأثير عاملين متعارضين، يتمثل أولهما في ارتفاع تكاليف التمويل وقوة الدولار الأميركي، فيما يرتبط الثاني بتزايد الطلب على التحوط من المخاطر الناجمة عن تراكم الديون الحكومية.
وأوضح البنك أن ارتفاع العوائد الحقيقية على السندات يقلص جاذبية الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً، في حين توفر المخاوف بشأن استدامة أوضاع المالية العامة دعماً للمعدن النفيس، رغم استمرار تشديد السياسة النقدية.
وجاء تقييم «ساكسو بنك» عقب صدور محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي أظهر توقع معظم المسؤولين إقرار زيادة إضافية في أسعار الفائدة قبل نهاية العام الجاري، دون وجود توجه للاستعجال في اتخاذ هذه الخطوة خلال اجتماع أكتوبر.
اعتبر استراتيجي السلع لدى «ويزدوم تري»، نيتيش شاه، أن استمرار ارتفاع عوائد السندات يعكس اتساع المخاوف بشأن مستويات الدين، وهو ما قد يعزز مكانة الذهب بديلاً للعملات الورقية والأصول الحكومية.
وربط جاذبية المعدن النفيس بتزايد القلق من تراكم الالتزامات المالية، رغم أن ارتفاع العوائد يمثل عادة عاملاً سلبياً للأسعار بسبب المنافسة مع الأصول المدرة للدخل.
بدوره، حذّر مدير الاستثمار لدى «بيمكو»، دان إيفاسكين، من احتمال صعود عائد السندات الأميركية لعشر سنوات إلى 6%، في ظل التضخم والاقتراض الحكومي، ما يزيد تعقيد رهانات الذهب.
أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، ألبرتو موساليم، أمس، الحاجة إلى مزيدٍ من رفع الفائدة لإعادة التضخم إلى مستهدف 2%، دون تحديد موقف مسبق من اجتماع أكتوبر.
كشف محضر اجتماع سبتمبر انقسام المسؤولين بشأن دوافع التشديد، بين مخاوف انتقال صدمات الطاقة إلى التضخم، وتحذيرات من استمرار ارتفاع الأسعار نتيجة قوة الطلب.
وأشار إلى توقع معظم المسؤولين زيادة أخرى قبل نهاية العام، بعدما رفع البنك الفائدة بالإجماع بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، مع استمرار ربط القرارات بالبيانات المقبلة.
توقع «غولدمان ساكس» ارتفاع الذهب إلى 4900 دولار للأونصة بنهاية 2026، بدعم مشتريات البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات، إلى جانب احتمال تراجع رهانات التشديد الأميركي.
وأوضح أن استخدام المستثمرين مشتقات الذهب للتحوط من التحولات الكبيرة في السياسات الحكومية قد يزيد تقلبات الأسعار، حتى مع استمرار الطلب الاستراتيجي على المعدن.
رجح «جيه بي مورغان» وصول الذهب إلى 6000 دولار بنهاية العام، مع توقعات عند 6300 دولار في 2027، مدعوماً بالطلب الاستثماري ومشتريات الاحتياطيات الرسمية.
أكد مسؤولون في بنوك مركزية أوروبية أن الذهب يحتفظ بمكانته أصلاً احتياطياً رئيسياً، رغم ارتفاع عوائد السندات، مع استمرار اهتمام السلطات النقدية بتنويع الأصول بعيداً عن العملات التقليدية.
أشار ممثلو بنك إيطاليا والبنك المركزي الألماني إلى أن التحولات الهيكلية في مشتريات البنوك المركزية، خصوصاً بالاقتصادات الناشئة، تعزز أهمية الذهب ضمن الاحتياطيات الرسمية.
توقع مجلس الذهب العالمي أن يبقى الطلب الرسمي أعلى من مستويات ما قبل 2022، رغم تقديرات انخفاض مشتريات البنوك المركزية خلال العام الجاري إلى نحو 720 طناً.
رجح «غولدمان ساكس» استمرار الضغوط على عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل بسبب أسعار الطاقة المرتفعة واحتياجات الاقتراض، ما يبقي الذهب عرضة للتقلبات مع تغير توقعات التضخم.
اعتبر مجلس الذهب العالمي أن تحول توقعات الفيدرالي إلى موقف أقل تشدداً قد يدعم المعدن، بينما يظل مسار الدولار وأسعار النفط والعوائد عوامل مؤثرة في تحديد اتجاه الأسعار.
تترقب الأسواق البيانات الأميركية المقبلة لتقييم فرص تأجيل زيادة الفائدة، وسط استمرار التباين بين توقعات التشديد النقدي ومخاوف الدين العام.