logo
اقتصاد

نمو 4.4%.. هل ينجح المغرب في تحويل توقعات البنك الدولي لواقع مستدام؟

المملكة تراهن على الماء والطاقة النظيفة لمواجهة تقلبات الأسعار

نجاح في كبح زيادة الأسعار.. وتحدٍ مستمر لتحسين القدرة الشرائية

الحكومة تراهن على القطاع الخاص لرفع مساهمته في الاستثمار

نمو 4.4%.. هل ينجح المغرب في تحويل توقعات البنك الدولي لواقع مستدام؟
جانب من مدينة الدار البيضاء المغربية يوم 20 أبريل 2023المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

وسط حالة من عدم اليقين والشك العالمية، يرسم المغرب مساراً اقتصادياً لافتاً، متأرجحاً بين رياح التفاؤل التي تهب من توقعات المؤسسات الدولية، والعواصف الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة برمتها.

فبينما رفع البنك الدولي توقعاته مدفوعاً بمحركات داخلية أثبتت صلابتها، تظل المملكة في حالة تأهب قصوى لمواجهة مخاطر خارجية قادرة على قلب التوقعات رأساً على عقب، متبنية استراتيجيات تحوط دقيقة ومبتكرة. فهل تنجح المملكة في عبور حقل الألغام الاقتصادي العالمي والوصول إلى واقع مستدام؟ 

محركان للنمو بدعم داخلي

شهدت التوقعات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) لعام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً، بفضل دفعة إيجابية قادتها دول المنطقة، وفي مقدمتها المغرب.

فقد أعلن البنك الدولي عن مراجعة شاملة لتقديراته، ليرفع توقعاته للنمو الاقتصادي المنتظر أن يحققه المغرب إلى 4.4%، وهو ما يمثل زيادة قوية قدرها 0.8 نقطة مئوية، مقارنة بالتوقعات السابقة الصادرة في يونيو الماضي.

حاويات شحن تُحمَّل على متن سفينة في ميناء طنجة الاستراتيجي، أحد أكبر موانئ التجارة والخدمات اللوجستية في إفريقيا والمتوسط، طنجة، المغرب، يوم 10 يوليو 2025
حاويات شحن تُحمَّل على متن سفينة في ميناء طنجة الاستراتيجي، أحد أكبر موانئ التجارة والخدمات اللوجستية في إفريقيا والمتوسط، طنجة، المغرب، يوم 10 يوليو 2025. المصدر: (أ ف ب)

يستند تقرير «أحدث المستجدات الاقتصادية لمنطقة MENAAP» الصادر عن البنك الدولي على ركيزتين أساسيتين، الأولى هي القطاع الزراعي الذي انتعش بفضل موسم مطري جيد، والثانية هي قطاعات الطاقة التي أظهرت ديناميكية لافتة.

مؤشرات جيدة

يؤكد أستاذ الاقتصاد في جامعة محمد الخامس، الدكتور زكريا فيرانو في حديث مع «إرم بزنس»، أن «الاقتصاد المغربي سيحقق نسبة نمو تتراوح ما بين 4.4% وربما تصل إلى 4.6%».

ويعزو الأداء إلى قفزة القطاع الزراعي، الذي قد ينمو بنسبة 5.2% في 2025، مدعوماً بنمو القطاع غير الزراعي الذي يتراوح بين 4.9% و5.1% بفضل «دينامية القطاعات الحيوية مثل صادرات السيارات والطائرات والصادرات الفلاحية».

ويضيف فيرانو، أن هذا الزخم تعزز بارتفاع استهلاك ودعم الطلب الداخلي بنسبة نمو تصل إلى 1.9%، والذي يعد «من الدعائم الأساسية للاقتصاد الوطني».

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد الجدري، في حديث إلى «إرم بزنس» أن القطاع الزراعي يتجه لتحقيق موسم زراعي متوسط بمحصول حبوب يقدر بـ75 مليون قنطار، وهو ما سيخفف من فاتورة الواردات الغذائية التي أثقلت كاهل الميزان التجاري العام الماضي. لكن الأهم من ذلك، بحسب الجدري أن هذه الأرقام تؤكد تحوّلاً بنيوياً أعمق، حيث «أصبح الاقتصاد الوطني المغربي يحقق أرقام نمو ما بين 4-5%، كيفما كانت الظروف المناخية، عكس ما كان في السابق». 

ويرجع الجدري، الاستقرار إلى «مجهود مغربي متكامل على مدى 25 سنة» شمل تأهيل البنية التحتية من موانئ ومطارات ومناطق صناعية، بالإضافة إلى جذب استثمارات أجنبية والتركيز على المهن العالمية، مشيراً إلى ريادة المغرب في صناعة السيارات والنجاح في صناعة الطائرات.

أخبار ذات صلة

موظف يعمل على خط تجميع السيارات في مصنع رينو-نيسان بمدينة ملوسة المغربية، يوم 12 مارس 2018.

هل انتهى العصر الذهبي لصناعة السيارات ومراكز الاتصال في المغرب؟

تحوط استراتيجي

رغم المؤشرات المضيئة، لا يزال الاقتصاد المغربي يبحر في مياه مضطربة. فبعد عام قاسٍ تعرض فيه لصدمات متداخلة من اضطراب سلاسل الإمداد، وموجة جفاف تاريخية، وارتفاع عالمي في أسعار السلع، تظل المخاطر قائمة ومؤثرة، إذ يحذر فيرانو، من «حالة عدم اليقين على الصعيد الدولي»، والتي تتجسد في استمرار التوترات الجيوسياسية كالحرب في أوكرانيا، وتباطؤ أنشطة الشركاء التجاريين الرئيسيين للمغرب في منطقة اليورو، مما قد يؤدي إلى انخفاض طلبهم على المنتجات المغربية.

د. زكريا فيرانو، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس.
د. زكريا فيرانو، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس. المصدر: إرم بزنس

وتبرز نقطتا ضعف هيكليتين، الأولى هي التهديد الدائم بـ«صدمات مناخية جديدة محتملة» مثل الجفاف، والثانية أسماها أستاذ الاقتصاد في جامعة محمد الخامس بـ«التبعية الطاقية»، حيث «يعتمد المغرب على الخارج 100% تقريباً من منتوجاته الطاقية»، مما يجعله عرضة بشكل مباشر لأي توترات في إمدادات الغاز لأوروبا، أو تقلبات حادة في أسعار المحروقات.

هذه العوامل الخارجية، مقرونة باستمرار موجة التضخم العالمي، تضع الاقتصاد تحت ضغط هائل، حيث حذرت بعض التقديرات من وصول معدلات التضخم في المغرب لمستويات مقلقة هذا العام.

ولمواجهة هذه التحديات، تبنت الرباط تحوطات واضحة، يصفها الخبير الاقتصادي محمد الجدري، بأنها «ظاهرة للعيان»، وعلى رأسها مواجهة إشكالية ندرة المياه عبر برنامج استثماري ضخم بقيمة 15 مليار دولار يشمل «الطريق السيار للماء، و36 محطة لتحلية مياه البحر، ومواصلة بناء السدود»، ومواجهة التبعية الطاقية عبر «التوجه نحو الطاقات المتجددة». يؤكد الجدري أن «المغرب يمكن أن يعوض كل ما ينقصه من نفط وغاز بهذه الطاقات، وأن يتحول من مستورد للطاقة إلى مصدر للطاقة النظيفة».

معضلة التضخم

أشار تقرير البنك الدولي إلى ضرورة التعامل مع آثار التضخم، وهو ما نجحت فيه السياسة النقدية المغربية، إذ يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة محمد الخامس، أن سياسة البنك المركزي «كانت موفقة في مواجهة المد التضخمي»، متوقعاً ألا تتجاوز نسبة التضخم 2% في 2025 و2026، وهو «معدل مقبول» برأيه.

لكنه لفت في الوقت نفسه إلى مفارقة مهمة، وهي أن «انخفاض نسبة التضخم لا تعني ارتفاع القدرة الشرائية»، مشيراً إلى وجود «ضعف في القدرة الشرائية للمواطنين وخاصة بالنسبة للطبقة المتوسطة الدنيا والهشة».

في المقابل، يحلل الخبير الاقتصادي، محمد الجدري أسباب التضخم التي لا تزال قائمة، والتي تشمل «النقص في الإنتاجية الغذائية المتعلق بالظروف المناخية»، وارتفاع تكاليف الطاقة، بالإضافة إلى «منظومة تسويقية تشوبها العديد من المشاكل» بسبب شبكة الوسطاء والمضاربين، داعياً إلى تقليص سلسلة التوزيع.

لمواجهة هذه الضغوط، اعتمدت الرباط استراتيجية مزدوجة تجمع بين الإجراءات العاجلة والإصلاحات بعيدة المدى، وتدخلت الحكومة عبر حزمة سياسات تضمنت دعماً عاماً للمواد الغذائية الأساسية عبر «صندوق المقاصة»، مما ضمن استقراراً جزئياً في أسعار سلع تستحوذ على ربع متوسط إنفاق الأسر. 

أخبار ذات صلة

بائع ماء في أحد أسواق العاصمة المغربية الرباط يوم 28 مايو 2025.

رغم ارتفاع  المواد الغذائية.. التضخم ينخفض في المغرب إلى 0.3%

الإصلاحات المطلوبة

لتحقيق قفزة نوعية ومضاعفة الناتج الإجمالي من 130 مليار دولار إلى 260 مليار بحلول عام 2035، يراهن المغرب على القطاع الخاص لرفع مساهمته في الاستثمار من الثلث حالياً إلى الثلثين. 

ويؤكد الدكتور فيرانو، أن هذا التوجه «ليس اختياراً ولكنه سيولة ضرورية»، معتبراً القطاع الخاص «قطب الرحى في السياسة التشغيلية والقاطرة الحقيقية للتنمية»، خاصة في ظل وصول نسبة البطالة إلى أكثر من 12.8%.

ويشترط الخبير الجدري، نجاح هذا الرهان بتنفيذ «مجموعة من الإصلاحات» تشمل المنظومة الضريبية، ومحاربة الفساد، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، معتبراً أن القطاع الخاص قادر على خلق قيمة مضافة حقيقية، لكن يجب «مساعدة صغار المستثمرين وصغار المقاولين» لتمكينهم من لعب دورهم الكامل في تحقيق الأهداف الاقتصادية للمملكة.

وكان المغرب أطلق «ميثاقاً جديداً للاستثمار» يقدم حوافز ومنحاً قطاعية وترابية لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، مع إعطاء أهمية قصوى للمقاولات الصغيرة جداً، والصغيرة والمتوسطة التي باتت تشكل نحو 92% من النسيج الاقتصادي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف