logo
اقتصاد

العراق على حافة صدمة مالية.. هل تكفي أسعار النفط لتغطية الرواتب؟

خالد الجابري: الرواتب تستهلك ما لا يقل عن 55% من الإيرادات النفطية

الجابري: 62% من النشاط الاقتصادي العراقي يتحرك خارج المنظومة الرسمية

علي جبار: الاقتراض أو السحب من الاحتياطيات يوفّر حلولاً مؤقتة

العراق على حافة صدمة مالية.. هل تكفي أسعار النفط لتغطية الرواتب؟
محطة «كيه 1» التابعة لشركة نفط الشمال في كركوك العراق.المصدر: وكالة الأنباء العراقية
تاريخ النشر:

من كل برميل نفط يبيعه العراق اليوم بسعر 70 دولاراً، يذهب أكثر من 35 دولاراً مباشرةً إلى بند الرواتب الحكومية قبل أن تصل قطرة واحدة إلى الكهرباء أو الصحة أو التنمية.

ومع تجاوز فاتورة الرواتب والمعاشات نحو 8 تريليونات دينار شهرياً، وفي وقت تتراجع فيه أسعار النفط عالمياً، تتصاعد التحذيرات من أن التحدي الذي يواجهه العراق لم يعد مرتبطاً فقط بتقلبات السوق النفطية، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه.

وبينما يعتمد العراق على النفط لتمويل أكثر من 90% من إيرادات الدولة، يرى خبراء تحدثوا إلى «إرم بزنس» أن استمرار تضخم النفقات الجارية واتساع الفجوة بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي يضعان البلاد أمام اختبار مالي قد يتحول خلال أشهر إلى أزمة أكثر عمقاً إذا لم تُنفذ إصلاحات هيكلية عاجلة.

أخبار ذات صلة

إحدى آبار حقل عكاس الغازي في محافظة الأنبار بالعراق.

بعد 48 عاماً.. العراق يحفر أول بئر نفط استكشافية شمال البلاد

النفط يموّل الرواتب.. لا التنمية

يرى خالد الجابري رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة أن المشكلة لم تعد في أسعار النفط وحدها، بل في حجم الالتزامات التي باتت تثقل الموازنة العامة.

ويوضح أن الرواتب تستهلك ما لا يقل عن 55% من الإيرادات النفطية، ما يعني أن أكثر من 35 دولاراً من كل برميل يُباع عند 70 دولاراً يذهب مباشرة إلى بند الرواتب وحده. وعند إضافة التقاعد المدني والعسكري، ومكافآت نهاية الخدمة، والرعاية الاجتماعية، ودعم البطاقة التموينية، وبقية النفقات الاجتماعية، فإن العبء الإجمالي قد يتجاوز فعلياً 110% من الإيراد النفطي المتحقق عن كل برميل.

ويضيف أن العراق وصل إلى مرحلة بالكاد تكفي فيها الإيرادات الجارية لتغطية النفقات الجارية، دون أي مساحة للإنفاق الاستثماري أو حتى الصيانة الرأسمالية للبنية التحتية. ويختصر الخلاصة في عبارة لافتة: الدولة باتت تحتاج إلى سعر نفطي مرتفع فقط للحفاظ على الإنفاق اليومي، لا لتحقيق النمو أو تمويل التنمية.

أزمة هيكلية لا ضغوط دورية

من جانبه، يعتبر المختص في إدارة مؤسسات الدولة خلال الأزمات علي جبار أن ما يواجهه العراق اليوم يتجاوز الضغوط المالية الدورية المرتبطة بأسعار النفط، ويدخل في إطار أزمة هيكلية مركبة.

ويشير إلى أن الاعتماد المفرط على النفط، مقابل محدودية مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى، أدى إلى تضخم الإنفاق التشغيلي وتراجع قدرة الدولة على بناء اقتصاد متنوع قادر على امتصاص الصدمات.

ويؤكد أن المشكلة الجوهرية ليست في نقص الموارد، بل في ضعف إدارتها، موضحاً أن استمرار الأدوات التقليدية لم يعد كافياً، وأن البلاد تحتاج إلى إدارة أزمة وطنية شاملة ترتكز على الكفاءة والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، لا على ردود فعل آنية. 

أخبار ذات صلة

موظف خلال أداء مهامه في منشأة لشركة نفط البصرة في حقل نهر بن عمر للنفط والغاز جنوبي العراق، 29 أبريل 2026.

العراق يتوقع العودة لإنتاج 3 ملايين برميل يومياً من الجنوب خلال شهرين

الدولار يكشف الخلل الأعمق

يحذر الجابري من أن أزمة الدولار في السوق الموازي ليست أزمة نقدية فقط، بل انعكاس مباشر لاختلالات هيكلية تتجاوز اختصاص البنك المركزي.

ووفقاً لتقديرات يستند إليها، فإن أكثر من 62% من النشاط الاقتصادي العراقي يتحرك خارج المنظومة الرسمية، بين اقتصاد رمادي يمثل 41% واقتصاد غير منظم بالكامل عند 25%، مقابل 38% فقط للاقتصاد المنظم. ويصف الظاهرة بمعادلة بسيطة: حين تصبح كلفة الامتثال للقوانين أعلى من كلفة الهروب منها، يتولّد طلب موازٍ على الدولار لا تستطيع نافذة البنك المركزي تلبيته.

ويضيف أن ضخّ سيولة دينارية كبيرة عبر الرواتب والتحويلات الاجتماعية، بالتزامن مع ضعف الإنتاج المحلي وتنامي الاعتماد على الاستيراد، يزيد الضغط على سوق الصرف ويوسّع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي باستمرار.

مؤشرات الانتقال من التحذير إلى الخطر

يحدّد علي جبار خمسة مؤشرات تكشف انتقال الأزمة من مرحلة الإنذار المبكر إلى مرحلة الخطر الفعلي: اتساع العجز المالي الهيكلي وليس المؤقت، وتراجع الاحتياطيات الأجنبية بوتيرة متسارعة، وتزايد الاعتماد على الاقتراض لتمويل النفقات التشغيلية، وتراجع جودة الخدمات العامة رغم ارتفاع الإنفاق، وضعف قدرة الدولة على تمويل المشاريع التنموية.

ويذهب أبعد من ذلك بالقول إن العراق لم يعد يقف عند مرحلة التحذير المبكر، بل يواجه فعلياً أزمة مركبة ذات أبعاد اقتصادية وإدارية وسياسية، وإن كانت لا تزال قابلة للاحتواء إذا توفّرت الإرادة الإصلاحية في الوقت المناسب.

أخبار ذات صلة

جانب من أحد حقول النفط في أربيل بإقليم كردستان العراق يوم 2 سبتمبر 2012

العراق يعلن جاهزية حقول النفط واستئناف الإنتاج تدريجياً

الحكومة أمام ضغط الوقت

أما الجابري فيرى أن العراق لا يملك رفاهية الوقت، مقدّراً نافذة التحرك الفعالة بين ثلاثة وستة أشهر قبل أن تبدأ الضغوط الحالية بالظهور المباشر في حياة المواطن.

ويلفت إلى أن البلاد تواجه اليوم مزيجاً نادراً من الضغوط: تضخم خارجي مستورد ناتج عن التوترات الجيوسياسية وارتفاع كلف الشحن، وتضخم داخلي مرتبط بالرسوم والضرائب وارتفاع تكاليف ممارسة الأعمال. ووفقاً لاستطلاع حديث لمؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي، ارتفعت الأسعار بمتوسط يقارب 21%، فيما تكبّدت أكثر من 75% من الأنشطة الاقتصادية خسائر أو ضغوطاً حادة على هوامش الأرباح، دون قدرة على تمرير الزيادات بالكامل إلى المستهلك.

ويحذر من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى ارتفاع إضافي للأسعار، وخروج أنشطة من السوق، وتباطؤ في النمو، وتراجع في الخدمات، حتى وإن استمرت الحكومة في دفع الرواتب بانتظام.

حقل إنتاج النفط في دهوك، العراق، يوم 2 مارس 2025
حقل إنتاج النفط في دهوك، العراق، يوم 2 مارس 2025المصدر: أ ف ب

إصلاحات الآن.. أم أزمة لاحقاً؟

يتفق الخبيران على أن اللجوء إلى الاقتراض أو السحب من الاحتياطيات قد يوفّر حلولاً مؤقتة، لكنه لا يعالج جذر المشكلة.

ويرى جبار أن الأولوية يجب أن تُمنح لإعادة ترتيب الإنفاق العام ورفع كفاءة إدارة الموارد ومكافحة الهدر والفساد، بينما يركّز الجابري على إعادة هيكلة الإنفاق الجاري وتوسيع القاعدة الاقتصادية وتقليص الاعتماد المفرط على النفط.

بينما تختلف المقاربتان في زاوية الدخول، تبدو الرسالة المشتركة واضحة: العراق لا يواجه أزمة سيولة عابرة، بل اختباراً حقيقياً لاستدامة نموذجه المالي والاقتصادي خلال السنوات المقبلة. وكما يصفها الجابري في عبارة موجزة، تبدأ الأزمة الاقتصادية حين يبقى الراتب ثابتاً، فيما تصبح الحياة أغلى من أن يغطيها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف