الأسعار تهبط قرب أدنى مستوى في 4 أشهر
مخزونات النفط الخام الأميركية تواصل تآكلها

نزلت أسعار النفط اليوم الأربعاء قرب مستويات الـ28 من فبراير، أول أيام حرب إيران، مع توارد مؤشرات سلبية بشأن خلاف يختمر، وتغاير في الرؤى لنتائج المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع استمرار المؤشرات الإيجابية بشأن استمرار حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وتراجع النفط اليوم موسعاً خسائر سجلها الأسبوع الجاري، مع التداول بالقرب من أدنى مستويات في أربعة أشهر التي سجلها النفط في الجلسة السابقة، وذلك في ظل مؤشرات على أن المزيد من ناقلات النفط العالقة في الخليج منذ اندلاع حرب إيران ستغادر المضيق.
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس: إن إيران وافقت على عمليات تفتيش نووي إلى أجل غير مسمى، لكن طهران نفت تقديم أي تنازل من هذا القبيل خلال المفاوضات؛ ما أثار تساؤلات حول جدوى الاتفاق الهش بين الجانبين.
كما تعرّضت الأسعار لضغوط هذا الأسبوع بعد أن منحت واشنطن طهران إعفاءً من العقوبات لمدة 60 يوماً عقب محادثات أولية؛ ما يسمح لها ببيع النفط، مع تراجع حدة الأعمال القتالية في لبنان.
يعني ذلك أن السوق محا فعلياً معظم علاوة المخاطر التي أضافتها الحرب، مع عودة التركيز إلى أساسيات العرض والطلب بدلاً من المخاوف الجيوسياسية.
قدَّم البلدان، اللذان عقدا جولة أولى من المفاوضات في سويسرا انتهت يوم الاثنين، روايات متضاربة حول الحوافز المالية لإيران والسيطرة على مضيق هرمز والحرب الموازية التي تشنها إسرائيل في لبنان، وهي جوانب رئيسية من الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه الأسبوع الماضي بهدف إنهاء الحرب.
مع ذلك، قال ترامب إن المفاوضات مع إيران تسير بسلاسة. وقال في تجمع بولاية بنسلفانيا: «الأمور تسير بيننا على ما يرام».
ورغم هذا التباين في الروايات، فإن السوق يبدو أكثر اهتماماً بالنتائج العملية للمفاوضات، وتحديداً استمرار تدفق النفط وفتح المضيق، مقارنة بالخلافات السياسية التي قد تستغرق وقتاً أطول للحسم.
أظهرت بيانات من معهد البترول الأميركي أن مخزونات الولايات المتحدة من النفط الخام تراجعت الأسبوع الماضي، في حين ارتفعت مخزونات البنزين ونواتج التقطير.
وانخفضت مخزونات النفط الخام بمقدار 765 ألف برميل في الأسبوع المنتهي في الـ19 من يونيو، وارتفعت مخزونات البنزين 1.24 مليون برميل، ومخزونات نواتج التقطير 1.45 مليون برميل مقارنة بالأسبوع السابق.
في الأسبوع الماضي، أظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية أن مخزونات النفط الخام في الاحتياطي الإستراتيجي انخفضت إلى 331.2 مليون برميل، وهو أدنى مستوى لها منذ يونيو 1983، مع تقلص الإمدادات في أعقاب اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
كما انخفضت مخزونات النفط الخام في الاحتياطي الإستراتيجي الأميركي بمقدار 9.05 مليون برميل الأسبوع الماضي، وهو ثالث أكبر انخفاض مسجل، ويأتي هذا الانخفاض في إطار اتفاق أميركي لسحب 172 مليون برميل من الاحتياطي للمساعدة في خفض أسعار الوقود.
ويعني ذلك أن السوق يواجه مفارقة لافتة، إذ تتراجع الأسعار رغم استمرار استنزاف المخزونات الإستراتيجية، وهو ما يشير إلى أن المتعاملين يركزون حالياً على احتمالات زيادة المعروض أكثر من تركيزهم على مستويات المخزون الحالية.
يبدو أن التعافي من أكبر أزمة نفط في العالم، كما وصفتها وكالة الطاقة الدولية، لن يكون سهلاً، إذ يشير محللو بنك «يو بي إس» إلى أن نقص المخزونات إلى مستويات تاريخية سيعمل على زيادة الطلب على النفط الخام عقب انتهاء الأزمة لإعادة ملء الخزانات.
وأطلقت وكالة الطاقة الدولية مع واشنطن أكبر حملة للإفراج عن الخزانات في التاريخ، بواقع أكثر من 400 مليون برميل، لمواجهة ارتفاع الأسعار الحاد، إلا أن هذه السيولة في الإمدادات قد لا تكون كافية سريعاً لإعادة بناء المخزونات، ما يبقي الأسعار حساسة لأي صدمة جديدة في جانب العرض.
مع ذلك، فإن اختفاء علاوة الحرب بالكامل يبقى مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسية: استقرار اتفاق إيران، وعودة الملاحة في مضيق هرمز، وتعافي التأمين البحري، وهو ما قد يستغرق من أسابيع إلى أشهر قبل أن ينعكس بشكل كامل على تسعير النفط.
قال كبير خبراء الاقتصاد لدى «ميتسوبيشي يو إف جيه» للأبحاث والاستشارات توموميتشي أكوتا: «تأثرت أسعار النفط الخام سلباً بسبب الآمال في تهدئة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وانتعاش شحنات النفط عبر مضيق هرمز».
أكوتا أضاف في مذكرة للعملاء: «قد يؤدي إحراز مزيد من التقدم في المفاوضات النووية إلى عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب».
وتابع: «كما يراقب المستثمرون مدى سرعة قدرة المنتجين في الشرق الأوسط على استئناف الصادرات، وما إذا كانت سفن إضافية ستدخل المنطقة».
كما أن عودة النفط الإيراني إلى السوق خلال فترة الإعفاء المؤقت ترفع توقعات فائض المعروض على المدى القصير، وهو ما يفسر جانباً من الضغوط التي يتعرَّض لها الخام رغم استمرار بعض المخاطر الجيوسياسية.
قال المحلل لدى «بي في إم أويل أسوشيتس» تاماس فارغا: «سيحتاج مالكو السفن ومشغلوها إلى ضمانات بأن التهديدات التي تشكلها الألغام انتهت بالكامل».
وأضاف فارغا في مذكرة: «كما أن الموانئ المتضررة والحطام الموجود في المياه والازدحام تشكل عقبات إضافية أمام زيادة حركة الملاحة بلا قيود».
وقالت سلطنة عُمان وإيران أمس الثلاثاء إنهما اتفقتا على مواصلة المناقشات بشأن الإدارة المستقبلية للملاحة في مضيق هرمز.
كذلك أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اليوم أن إيران لن تتمكن من فرض رسوم عبور في الممر المائي الحيوي ضمن أي اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة، معتبراً أن مثل هذا الترتيب سيخالف القانون الدولي.
يرى محللون أنه بينما تراهن الأسواق حالياً على استمرار الهدنة وعودة التدفقات النفطية تدريجياً، فإن أي تعثر في الملف النووي أو عودة التوترات في مضيق هرمز قد يعيد جزءاً من علاوة المخاطر سريعاً إلى الأسعار.
لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة تسعير للمخاطر منها إلى إعلان نهاية كاملة لأزمة الطاقة التي هزت الأسواق خلال الأشهر الماضية.