
يمثل دمج دول الخليج العربي في «الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي» (IMEC) خطوة استراتيجية نحو إعادة رسم خريطة التجارة العالمية وربط أسواق جنوب آسيا بأوروبا عبر محور يمر بالشرق الأوسط.
فالممر الذي أُعلن عنه خلال «قمة مجموعة العشرين» في نيودلهي عام 2023 لا يقتصر على كونه مشروع بنية تحتية ضخماً فحسب، بل يُعد مبادرة لإعادة تعريف دور الخليج كمركز رئيسي في منظومة النقل والتجارة الدولية.
ويُعد توسيع نطاق المبادرة ليشمل دول الخليج كافة خطوة محورية لتحقيق أقصى إمكاناتها الاقتصادية والجيوسياسية، إذ يمنحها دوراً تكاملياً في منظومة التجارة العالمية المتجهة شرقاً وغرباً. فبدلاً من أن تقتصر مشاركتها على كونها ممرات عبور، يمكن لدول الخليج أن تتحول إلى مراكز محورية للتوزيع والتصنيع والخدمات اللوجستية، تدعم حركة السلع والطاقة والبيانات بين آسيا وأوروبا.
وفقاً لـ«مؤسسة أوبزرفر للأبحاث» (ORF)، فإن إدماج هذه الدول في الهياكل التجارية والاستثمارية للممر من شأنه أن يعزز تنافسيتها، ويكرّس موقعها كحلقة وصل حيوية في الاقتصاد العالمي، ويحوّل الخليج من منطقة عبور تقليدية إلى فاعل رئيسي في رسم خريطة الترابط الاقتصادي الجديد.
وفي حين تُعد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ركيزتين أساسيتين للممر، أبدت دول أخرى مثل البحرين، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت رغبتها في الانضمام بشكل أكثر شمولية.
ولا تقتصر الدوافع على الفوائد الاقتصادية فحسب، بل تشمل أيضاً الأبعاد الاستراتيجية في ظل التنافس مع مبادرات مثل «مبادرة الحزام والطريق» (BRI) الصينية و«طريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين» (TITR).
فقد أبدت البحرين اهتماماً بالانضمام إلى الممر خلال اجتماعات مغلقة مع وفود من الكونغرس الأميركي ضمن مبادرة «إن 7» (N7)، وهي شراكة بين «المجلس الأطلسي» (Atlantic Council) ومؤسسة «جيفري إم. تالبينز» (Jeffrey M. Talpins).
وتتصور إحدى الخطط أن تنطلق الشحنات من غرب الهند نحو موانئ في السعودية أو الإمارات أو البحرين، لتُواصل رحلتها عبر شبكة سكك حديدية عالية السرعة تمرّ بشمال السعودية والأردن، وصولاً إلى «ميناء حيفا» ومنه إلى أوروبا عبر خطوط بحرية قصيرة.
كما تُعد «الاتفاقية الحديدية» بين الإمارات وسلطنة عُمان لبناء شبكة سكك حديدية مشتركة تربط البلدين نموذجاً مبدئياً للتكامل الإقليمي الأوسع، فيما يمكن لكل من قطر والكويت أن تؤديا دور نقاط عبور لوجستية تخفف الضغط على الموانئ والمحاور الرئيسة الأخرى مع تطور المشروع.
تُعد البنية التحتية العمود الفقري لرؤية «الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي»، وتبرز في هذا السياق السكك الحديدية الخليجية كمشروع محوري يمتد بطول يقارب 2,200 كيلومتر لربط الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون.
وقد حدد المجلس الوزاري الخليجي شهر ديسمبر 2030 كموعد مستهدف لاستكمال المشروع، مع توقعات بأن يبلغ حجم البضائع المنقولة عبره 95 مليون طن بحلول عام 2045، وفقاً للأمين العام للمجلس جاسم البديوي.
وتشكل مشروعات وطنية مثل شبكة «قطارات الاتحاد» في الإمارات وشبكة النقل بالقطارات في السعودية مكونات رئيسة في هذه الرؤية. وتشمل المسارات قيد التطوير الدمام–الرياض–القريات مع تمديد الخطوط إلى الحدود الأردنية. كما يُخطط لربط البحرين والسعودية عبر جسر الملك حمد، ولإقامة جسر مقترح بين قطر والبحرين لتعزيز الربط البحري–البري.
إلى جانب البنية التحتية المادية، تشكل الاتفاقيات التجارية محركات مساندة تُسهِم في تسريع وتيرة التكامل. فاتفاقية التجارة الحرة بين الإمارات والاتحاد الأوروبي التي يجري التفاوض بشأنها حالياً قد تفتح الباب أمام مفاوضات أوسع بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي.
كذلك مهّدت «اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة» (CEPA) بين الهند والإمارات الطريق أمام إبرام اتفاقيات ثنائية إضافية بين الهند ودول خليجية أخرى. وقد أشار مسؤولون هنود إلى أن اتفاقية مع سلطنة عُمان قيد التوقيع، وأن المباحثات مع قطر جارية.
كما يمكن أن تسهم اتفاقية التجارة الحرة المحتملة بين الاتحاد الأوروبي والهند في تعزيز التوافق الاقتصادي ودعم استدامة مشروع «الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي» على المدى الطويل.
لا تقتصر فوائد الممر على البعد الاستراتيجي فحسب، بل تمتد إلى تحولات اقتصادية ملموسة داخل الدول الخليجية الأصغر.
فبحسب تقرير صادر عن منصة «إي تي إدج إنسايتس» (Et Edge Insights) للأبحاث والتحليل، يُتوقع أن يُولّد مشروع السكك الحديدية الخليجية آلاف فرص العمل في مجالات البناء والتشغيل والخدمات المساندة، مع تحفيز نمو الصناعات المرتبطة بالنقل والتخزين في دول مثل عُمان والبحرين وقطر التي تتحول تدريجياً إلى مراكز لوجستية صاعدة.
وتتعدى المكاسب الجانب الاقتصادي إلى بعدٍ سياحي وتنموي، إذ تُظهر بيانات الأمانة العامة لمجلس التعاون (GCC-Stat) أن حركة السياحة البينية بين دول الخليج شهدت نمواً تجاوز 50 % خلال الأعوام الخمسة الماضية، لتُمثّل نحو ربع إجمالي السياحة الدولية الوافدة إلى المنطقة.
ومن شأن تطوير الربط البري واللوجستي عبر الممر الاقتصادي أن يرسّخ هذا الاتجاه التصاعدي، ويُعزّز من ازدهار قطاعات الضيافة والترفيه، ويحول دول الخليج إلى وجهات متبادلة للسياحة الإقليمية.