
في ظل تصاعد التوترات التجارية العالمية وتزايد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، تُكثّف دول مجلس التعاون الخليجي جهودها لتعزيز مرونتها الاقتصادية عبر بناء شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة التفضيلية ومشروعات الربط الاقتصادي الإقليمي والدولي.
وفقاً لتقرير نشره «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» (IISS)، شكّلت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين عام 2017 نقطة تحول دفعت دول مجلس التعاون الست، البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات، إلى إعادة إحياء أجندتها لتحرير التجارة.
وأطلق المجلس مفاوضات جماعية لإبرام 12 اتفاقية تجارة حرة، في حين عقدت بعض الدول، وعلى رأسها الإمارات، أكثر من 20 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع اقتصادات كبرى مثل الهند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وتركيا وأستراليا.
رغم الآثار السلبية الواسعة للصراعات التجارية على النمو العالمي، تفتح هذه التوترات آفاقاً جديدة أمام ما يُعرف بـ«دول الربط»، وهي الدول القادرة على أداء دور الوسيط بين الكتل الاقتصادية المتنافسة. وباعتبارها دولاً «موصلة» بطبيعتها الجغرافية والاقتصادية، تسعى دول مجلس التعاون إلى ترسيخ موقعها كممرات تجارية موثوقة تربط الشرق بالغرب، معزّزة مرونتها الاقتصادية في مواجهة الاضطرابات المتزايدة في النظام التجاري العالمي.
وقد تبنّت الإمارات هذا النهج بشكل مبكر عبر إطلاق «برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة» عام 2021، لتوقيع اتفاقيات تقلّص الرسوم الجمركية وتضمن حماية الاستثمارات، ما عزز مكانتها كمركز تجاري عالمي وحمى صادراتها من القيود الجديدة، مثل التعريفة البالغة 10% التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على الصادرات الخليجية.
وفي الوقت ذاته، تستثمر دول الخليج مكانتها كمورّد موثوق للطاقة في توسيع حضورها داخل قطاعات اقتصادية واعدة. ففي مايو 2025، وقّعت السعودية اتفاقاً مع الولايات المتحدة بشأن المعادن الحرجة، دعماً لطموحها في التحول إلى مركز عالمي لتكرير وتجارة المعادن الاستراتيجية المستخرجة من إفريقيا وأميركا اللاتينية، وتوريدها إلى الأسواق الصناعية في آسيا ومناطق أخرى.
وتسير هذه الجهود جنباً إلى جنب مع سياسة الحياد الجيوسياسي، إذ تفضل دول المجلس الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى رغم الخلافات، كما ظهر في موقفها من الحرب الأوكرانية.
تدرك دول الخليج أن تعزيز المرونة الاقتصادية لا يتحقق من دون بنية ربط مادي متكاملة، ولهذا تستثمر بقوة في تطوير الموانئ والمطارات وشبكات السكك الحديدية.
ويُعد «ميناء جبل علي» و«مطار دبي الدولي» من أبرز النماذج العالمية في كفاءة النقل والخدمات اللوجستية، بينما تواصل السعودية وأبوظبي توسيع قدراتهما عبر إنشاء ممرات شحن جديدة ومشروعات سكك حديدية ومناطق صناعية متخصصة، بهدف دعم التصنيع وتعزيز أنشطة إعادة التصدير.
أما إقليمياً، فتعمل دول المجلس على الانخراط في الممرات التجارية الناشئة، مثل «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC)، و«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، و«طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين»، في مسعى لتأمين موقعها ضمن سلاسل التوريد العالمية الجديدة.
رغم التقدم في برامج التنويع، ما تزال الهيدروكربونات تمثل العمود الفقري لاقتصادات الخليج؛ إذ شكّل النفط 28.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024 و64% من الإيرادات الحكومية في 2023. وقد تسبب تراجع أسعار النفط في العام ذاته بانخفاض قدره 4.14% في قيمة التجارة السلعية لدول المجلس، بما يتماشى مع التراجع العالمي البالغ 4%.
ويشكّل تعزيز الصادرات غير النفطية محوراً أساسياً في استراتيجيات التنمية طويلة الأجل لدول الخليج. ففي إطار «رؤية السعودية 2030»، تستهدف المملكة رفع مساهمة الصادرات غير النفطية إلى 50% من الناتج المحلي غير النفطي، أي ما يعادل زيادة بنحو خمسة أضعاف.
أما الإمارات، فتركّز من خلال استراتيجيتها «نحن الإمارات 2031» على رفع قيمة صادراتها غير النفطية إلى نحو 218 مليار دولار بحلول عام 2031، مقارنة بـ152.8 مليار دولار في عام 2024.
رغم التباينات في المقاربات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون، فإن السنوات الأخيرة شهدت خطوات ملموسة نحو توحيد السياسات التجارية وتعزيز العمل الجماعي. فمنذ إطلاق «الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون» عام 2003، تطورت التجربة تدريجياً رغم التحديات، وصولاً إلى اعتماد التعريفة الجمركية الموحدة في يناير 2025، التي مثّلت خطوة مهمة نحو توحيد الإجراءات وتنشيط حركة التجارة البينية.
وفي الوقت نفسه، واصلت الدول الأعضاء تطوير استراتيجياتها التجارية بشكل متكامل، إذ وسّعت البحرين وعُمان والإمارات شبكات اتفاقياتها الاقتصادية الخارجية بما يعزز الانفتاح الخليجي على الأسواق العالمية، بينما ركزت السعودية على بناء بيئة استثمارية تنافسية من خلال مبادرات مثل برنامج «المقر الإقليمي» الهادف إلى جذب الشركات العالمية وتوطين مراكز القرار في المنطقة.
ويؤكد هذا التنوع في المسارات أن دول المجلس تسعى، رغم اختلاف الأولويات، إلى هدف مشترك يتمثل في ترسيخ التكامل الاقتصادي وتحسين موقع الخليج في سلاسل القيمة العالمية.
خارجياً، لا تزال المفاوضات التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان تواجه بطئاً نسبياً نتيجة تباين المواقف بشأن تحرير أسواق الطاقة والدعم الحكومي وبعض البنود السياسية. ومع ذلك، تواصل دول مجلس التعاون الانخراط في حوار بنّاء مع هذه الأطراف، سعياً إلى بلورة اتفاقيات تحقق توازناً بين مصالحها التنموية ومتطلبات الشركاء الدوليين.
وفي الجانب الجيوسياسي، فرضت التوترات الإقليمية، من الحرب في غزة وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، إلى الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، ضغوطاً إضافية على حركة التجارة وسلاسل الإمداد. ومع ذلك، أظهرت دول الخليج قدرة متزايدة على إدارة المخاطر اللوجستية وضمان استمرارية تدفق السلع عبر موانئها الحيوية، مدعومةً باستثماراتها المستمرة في البنية التحتية للنقل والربط التجاري.
يُجسّد النهج الشبكي الذي تتبناه دول مجلس التعاون، والقائم على تنويع الشراكات التجارية، وتوسيع البنية التحتية، والحفاظ على الحياد الاستراتيجي، مساراً واعداً لترسيخ مكانة المنطقة كقوة استقرار وتأثير في الاقتصاد العالمي. ويعتمد نجاح هذا المسار على تعزيز التنسيق في السياسات الاقتصادية بين الدول الأعضاء، إلى جانب المضي قدماً في جهود التحول نحو اقتصاد متنوع ومستدام.
ومع استمرار التقدم في مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة وتعميق التكامل الإقليمي، تزداد قدرة دول الخليج على تحويل شبكات الربط التجاري المتطورة إلى رافعة دائمة للنمو والابتكار والتأثير الجيوسياسي، مستفيدةً من مواردها الطبيعية وخبراتها المتراكمة واستثماراتها المتصاعدة في قطاعات المستقبل.