
بعد نحو خمسة عقود من إدراجها على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، تقف سوريا أمام منعطف اقتصادي جديد مع اقتراب دخول قرار الشطب حيز التنفيذ، في خطوة تفتح الباب أمام تدفقات استثمارية وتخفف القيود المفروضة على الاقتصاد.
هذا الشطب الأميركي المنتظر لسوريا من قائمة الإرهاب سيفتح، بحسب خبراء اقتصاد سوريين تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أبواباً استثمارية تضاف لسابقتها منذ الإطاحة بنظام الأسد في نهاية 2024، مع الانفتاح الدولي المتواصل، وتنشيط قطاعات اقتصادية كانت العقوبات تعرقلها لاسيما في 4 قطاعات رئيسية هي المصارف والتجارة والتحول الرقمي والتمويل والإعمار.
يشير أحد الخبراء إلى أن الأداء خلال الأشهر الستة القادمة سيكون المقياس الحقيقي لقدرة سوريا على سد الفجوة بين الزخم الدولي والقدرات المحلية لجنى ثمار القرارات وأحدثها قرار الشطب الأميركي.
وفي أغسطس 2025، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع في خطاب أن بلاده استقطبت استثمارات خارجية بقيمة 28 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الماضية منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى 100 مليار دولار.
في 8 يوليو الجاري، شرعت واشنطن، في إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، تنفيذاً لقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبناء على توجيه من ترامب، أخطر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الكونغرس ببدء هذه الإجراءات، على أن يصبح إلغاء التصنيف نافذاً خلال 45 يوماً، ما لم يرفضه المشرعون، وهو احتمال يبدو غير مرجح. خاصة و الإعلان تزامن مع لقاء جمع الرئيس الأميركي ونظيره السوري أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في تركيا قبل أيام، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.
وقبل عام، بدأ ترامب رفع العقوبات المفروضة على سوريا، غير أنه بقي محدود الأثر، لأن سوريا ظلت مصنفة دولة راعية للإرهاب، وهو ما كان سيعرض الشركات لمخاطر قانونية داخل الولايات المتحدة إذا مارست أنشطة تجارية فيها، وفق المصدر ذاته.
وفي بيان، وصف روبيو القرار بأنه «خطوة تاريخية أخرى من جانب الرئيس ترامب لمنح الشعب السوري فرصة لتحقيق العظمة»، معتبراً أن «رفع العقوبات عن سوريا سيفتح المجال أمام التجارة والاستثمار الدوليين، ويمنح سوريا فرصة لإعادة البناء».
ووقتها أعلن وزير الاتصالات وتقانة المعلومات في سوريا عبد السلام هيكل، على حسابه بموقع (إكس)، أن بلاده «على أعتاب التحرر من القيود الدولية للمرة الأولى منذ 47 سنة»، مشيراً إلى أن «الحاجة لاستخدام كاسر VPN للبرامج العالمية (ستصبح) قريباً من الماضي».
من جانبه، يرى الأكاديمي والمستشار الاقتصادي السوري زياد أيوب عربش، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تلك الخطوة «تاريخية وتحمل تداعيات اقتصادية واسعة، وتحتاج إلى جهود داخلية متسارعة لتترجم اقتصاديا إلى انتعاش فعلي».
أول القطاعات استفادة من قرار الشطب المرتقب، حسب عربش «المصارف والخدمات المالية، حيث ستتاح إعادة الاتصال بمنصة سويفت والنظام المالي العالمي واستئناف مفاوضات المراسلة مع البنوك الأوروبية والإقليمية، وتهيئة البيئة لعودة التحويلات المالية عبر المصارف المراسلة، بعد أن كانت الإعفاءات المؤقتة تجعل تحويل مبلغ بسيط يستغرق أسابيع».
وثاني وثالث القطاعات المستفيدة تتمثل في الاستثمار والبنية التحتية خصوصاً في الإسكان والطاقة المتجددة، كمدخل سريع العائد، بخلاف التحول الرقمي مع رفع الحظر عن البرمجيات الأمريكية والخدمات السحابية، مما يسرع وتيرة الرقمنة في قطاعي الصحة والتعليم، وفق عربش.
القرار الأميركي يفتح أبواب الاستثمار في سوريا تدريجياً وليس على مصراعيها في هذه المرحلة، بحسب عربش، محذراً من مفارقات بالواقع، أولها فجوة التنفيذ المؤسسي مع معاناة سوريا من ضعف الحوكمة وعدم القدرة على استيعاب استثمارات ضخمة خاصة مع تقديرات للبنك الدولي تبلغ 216 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهو رقم يفوق السيولة المتاحة.
المفارقة الثانية بحسب عربش هو «نقص الضمانات القانونية مع غياب آليات تحكيم دولية واضحة وضعف شفافية الملكية العقارية اللذين يدفعان الصناديق السيادية الكبرى إلى نهج التريث والمراقبة»، بخلاف عوامل معلقة مثل استمرار العقوبات الفردية على بعض الشخصيات، إلى جانب مهلة الـ45 يوماً لمراجعة الكونغرس التي تبقى عاملاً مؤقتاً يجب احتسابه في جداول المخاطر.
ورغم هذا، يؤكد عربش أهمية أن تتحرك سوريا عاجلاً بإجراءات تشمل «تصحيح أوجه القصور في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لتتوافق مع معايير مجموعة العمل المالي، بالإضافة إلى تعزيز الشفافية ووضع سياسة نقدية احترازية لمواجهة تقلبات سعر الصرف المتوقعة مع تدفق الدولار».
أما التحديات الجوهرية فتكمن، بحسب عربش، في «استمرار إجراءات التجنب المفرط للمخاطر من قبل المصارف العالمية الكبرى، والتي قد تمتد من 12 إلى 18 شهراً، والفجوة الزمنية بين السرعة التشريعية في واشنطن وقدرة المؤسسات المحلية على إعادة الهيكلة».
ويخلص عربش إلى أن «تحويل هذا الانفتاح إلى واقع اقتصادي يحتاج إلى وقت وجهد متسارعين. سيكون الأداء خلال الأشهر الستة القادمة المقياس الحقيقي لقدرة سوريا على سد الفجوة بين الزخم الدولي والقدرات المحلية. مع اتباع نهج تدريجي وتغطية شاملة لمخاطر العملة».
بدوره، قال مدير مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية في اتحاد غرف التجارة السورية محمد غزال، في حديث لـ«إرم بزنس» إن «شطب اسم سوريا من القائمة الحالية يمثل إزالة لآخر العقبات القانونية والسياسية التي تحول دون اندماج الاقتصاد السوري في المنظومة الاقتصادية العالمية، واندماجها مالياً ونقدياً مع النظام العالمي».
ويرى غزال أن «القطاع المصرفي سيكون على رأس القطاعات المستفيدة من هذه الخطوة، نظراً لما ستوفره من إعادة للعلاقات مع البنوك المراسلة، وتسهيل التحويلات المالية الدولية عبر نظام
«سويفت (SWIFT)»، مؤكدا أن «تفعيل هذا النظام لا يعد رفاهية، بل هو ضرورة وحاجة ملحة ومسار حرج للمشاريع الاستثمارية والبدء باستثمارات ضخمة طويلة الأمد تغطي قطاعات واسعة».
وسينعكس هذا الشطب الأميركي، بحسب غزال، على «قطاع التجارة استيراداً وتصديراً من خلال القدرة على فتح الاعتمادات المستندية وتمويل التجارة الخارجية، مما يسهم بشكل مباشر في خفض أسعار السلع الأساسية، حيث سيصبح بإمكان سوريا الاستيراد والتصدير مباشرة دون الحاجة للجوء إلى وسطاء أو دول أخرى أو استخدام أسماء بديلة».
وثالث القطاعات المستفيدية، ستكون الطاقة والخدمات اللوجستية، بحسب غزال، موضحاً أن سوريا، بما تمتلكه من عمق تاريخي وجغرافي وموقع يربط بين القارات، مرشحة بعد هذا الشطب لتتحول إلى مركز تقاطع لخطوط الطاقة، سواء براً أو بحراً أو جواً، مع إمكانية تفعيل خطوط الطاقة من العراق إلى سوريا، والخطوط القادمة من الخليج عبر سوريا إلى تركيا أو عبر الموانئ السورية إلى أوروبا، مما يمثل فرصة قوية لإعادة ربط سوريا بالمنظومة الدولية.
مسار التمويل لإعادة الإعمار سيكون رابع المستفدين من قرار الشطب المرتقب، بحسب غزال، الذي أكد أن «عمليات تمويل إعادة الإعمار ستصبح أكثر سهولة عبر التعاون مع المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي».
وحول الخطوات المستقبلية، أكد ضرورة الاستمرار في مسار تحديث القوانين والتشريعات المصرفية، وتطبيق معايير مكافحة غسيل الأموال لبناء الثقة مع المؤسسات المالية العالمية، و خلق بيئة استثمارية شفافة، وحماية حقوق الملكية، وتقديم إعفاءات ضريبية، ومكافحة الفساد، باعتبار ذلك أمرا جوهرياً لأي مستثمر دولي.
وعن التحديات، أشار الخبير الاقتصادي السوري محمد غزال إلى الدمار الكبير في البنية التحتية (كهرباء، مياه، طرق، مستشفيات) والذي يتطلب مئات المليارات من الدولارات، بخلاف الفجوة في الكوادر المهارية، واستقطاب العمالة الماهرة، مؤكداً أنه رغم وجود بعض العقبات إلا أنه وصف رفع اسم سوريا من القائمة «أمر إيجابي للغاية سيمهد الطريق لمستقبل اقتصادي جديد في قادم الأيام».
شهدت سوريا من الإطاحة بنظام بشار الأسد، انفتاحاً دولياً متسارعاً لدعم اقتصادها المتدهور جراء سنوات الحرب والصراع.
وعام 2025، شهد شهر فبراير، رفع كندا الحظر الاقتصادي على سوريا، وفي أغسطس أزالت واشنطن دمشق من لوائح العقوبات بعد شهرين من أمر ترامب بإلغائها بشكل كامل، وفي نوفمبر رفعت الخارجية الأميركية اسم الشرع من قائمة العقوبات، وفي ديسمبر، وافق الكونغرس على إلغاء قانون قيصر ورفعت أستراليا في الشهر ذاته العقوبات عن القطاع المالي السوري.
وفي عام 2026، شهد شهر يونيو إعلان سويسرا إدخال تعديلات على نظام العقوبات المفروض على سوريا، شملت شطب 7 مؤسسات من قوائم العقوبات، بخلاف قرار ترامب بشطب دمشق من قائمة العقوبات قبل أيام.