تمويل أوروبي بـ1.2 مليار يورو وقدرة تصديرية تصل إلى 2000 ميغاواط

تتطلّع ليبيا لإطلاق مشروع الربط الكهربائي مع أوروبا لإحياء تنفيذ الحلم القديم الذي أصبح محور اجتماعات ثنائية حديثة تستهدف الدفع به لحيز التطبيق مع مردود سنوي متوقع يصل إلى 500 مليون يورو وفرص عمل لنحو 3 آلاف شخص.
مشروع الربط الكهربائي المؤجل منذ عقود، بحسب خبراء طاقة واقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، سيعزز إيرادات ليبيا وينوع مداخيل الاقتصاد التي تركز بنسبة 90% على إيرادات النفط، ويقود لحل أزمة الطاقة، مشيرين إلى أن التحركات الليبية الأوروبية تشي بأن هذا المشروع قد يرى النور في أقرب وقت.
ويرى رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «خطوة الربط الكهربائي بين الاتحاد الأوروبي وليبيا شهدت تنفيذ عدة لقاءات وزيارات سابقة لوفود من عدة دول أوروبية إلى ليبيا نتج عنها توقيع مذكرات تفاهم بين كل من إيطاليا ومالطا واليونان مع الجانب الليبي وتهدف إلى نقل الطاقة النظيفة والمتجددة عبر كابل بحري محوري يمتد من ليبيا إلى جزيرة صقلية الإيطالية ومنها إلى باقي أوروبا».
ويسهم مشروع الربط، بحسب بوزعكوك، في «تنويع مصادر الدخل وزيادة موارد النقد الأجنبي، حيث يتوقع أن يحقق عائدات تتجازو 500 مليون يورو، كما يساهم في الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة واكتساب الخبرات في مجال الطاقات المتجددة والنظيفة»، متوقعاً أن يرى النور في أقرب وقت.
ومع امتلاك ليبيا لمساحات شاسعة وتمتع بنسبة سطوع شمسي عالية طوال العام، سيعزز ذلك المسار من جودة الشبكة الكهربائية في ليبيا، وفق تقديرات رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، مشيراً إلى أن دولاً سبقت ليبيا في الربط الكهربائي مع أوروبا كمصر والجزائر والمغرب خاصة وأن الطاقة النظيفة هي مستقبل العالم.
وعقد جهاز الطاقات المتجددة في ليبيا، اجتماعاً موسعاً بمقره في العاصمة طرابلس, مع وفد رفيع المستوى من الاتحاد الأوروبي, ناقش «عدداً من المشاريع الاستراتيجية التي يعمل عليها الجهاز، وعلى رأسها مشروع الربط الكهربائي بين ضفتي البحر المتوسط،»، مشيراً إلى أنه «يمثل أحد المبادرات الإقليمية الطموحة لنقل الكهرباء النظيفة من ليبيا إلى أوروبا، وتعزيز التعاون في مجال أمن الطاقة بين الجانبين»، وفق بيان للجهاز.
وفي 29 سبتمبر الماضي، بحثت وزارة النفط الليبية وبعثة الاتحاد الأوروبي، «آفاق التعاون في قطاع الطاقة، وسبل تطوير الشراكة الاستراتيجية بين ليبيا والاتحاد الأوروبي».

وعن مشروع الربط المحتمل، يقول رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي الدكتور حلمي القماطي، لـ«إرم بزنس» إن «ليبيا ستدخل مرحلة جديدة في قطاع الطاقة حال تنفيذ مشروع الربط الكهربائي البحري مع أوروبا، والذي سيربط السواحل الليبية بجزيرة صقلية الإيطالية عبر كابل بحري بطول 200 كيلومتر».
وبحسب القماطي، تتمتع ليبيا بموقع جغرافي استراتيجي، حيث تُعتبر أقرب نقطة في إفريقيا إلى أوروبا، مما يجعل تكلفة الربط أقل مقارنة بدول الجوار، وتمتلك قدرة تنافسية عالية بفضل أعلى إشعاع شمسي في شمال إفريقيا، مما يؤهلها لتصبح تكلفة إنتاج الكهرباء الشمسية لديها الأقل في المنطقة.
وعن تفاصيل المشروع وأبعاده المالية، لفت إلى أن التصريحات الحكومية تشير إلى أن التمويل يقدر بـ 1.2 مليار يورو، ممولة من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، بقدرة تصديرية 2000 ميغاواط كمرحلة أول، مع إيراد متوقع حوالي 500 مليون يورو سنوياً من مبيعات الطاقة.
وسيرافق المشروع، إنشاءات مصاحبة عبر محطتين للتحويل في طرابلس ومصراتة، وتطوير شبكة نقل ذكية، وإنشاء مركز تحكم مركزي حديث، مع توقع أن يوفر المشروع حوالي 3000 وظيفة أثناء التنفيذ و500 وظيفة دائمة في وقت التشغيل، وفق القماطي.
ويعد هذا المشروع واحداً من أكبر مشاريع البنية التحتية في قطاع الكهرباء منذ عقود، وفرصة تاريخية تفتح الباب أمام دور إقليمي جديد لليبيا في سوق الطاقة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، وفق القماطي.
وعن الأبعاد الاقتصادية، يعتبر المشروع حال بدء تنفيذه - وفق أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور حلمي القماطي - خطوة أساسية لتنويع مصادر الدخل الوطني، ونقلة مهمة نحو تقليل الاعتماد على النفط والغاز كمصدر وحيد للإيرادات، وذلك عبر خلق مصدر خارجي ثابت للعملة الصعبة مرتبط بالسوق الأوروبي المستقر.
ومن المتوقع أن تسهم الإيرادات الخارجية من تصدير الكهرباء في تحسين ميزان المدفوعات، وتقليل الضغط على الاحتياجات النقدية للمصرف المركزي، وتوفير مصدر إضافي للنقد الأجنبي بمتوسط نصف مليار يورو سنوياً، قابلة للزيادة مع مرور الوقت، بحسب تقديرات القماطي.
ومحلياً، سيعزز المشروع استقرار الشبكة المحلية من خلال بناء محطات التحويل وتطوير أنظمة التحكم، مما يرفع من كفاءة التشغيل ومستويات الأمان والقدرة على توزيع الأحمال وتقليل الانقطاعات، وفق توقعات أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي حلمي القماطي.
وتعاني ليبيا، منذ 2011، من عجز بالكهرباء، جراء عدة أسباب، بينها أزمات عدم الصيانة والأعطال التي تواجه 10 محطات كبرى في البلاد، وكذلك أعمال تخريبية وسط صراع حكومتين شرق وغرب البلا وعجز يصل إلى 1000 ميغاواط شتاءً، وأكثر من 2500 ميغاواط صيفاً، رغم إنتاج للطاقة الكهربائية، بين 5.5 و8 آلاف ميغاواط يومياً، مما دفع لخروج احتجاجات متكررة منذ 2020.
ووسط ذلك التحدي المحلي، أمام المشروع وفق الأكاديمي الاقتصادي الليبي، مخاطر جوهرية، أبرزها عدم الاستقرار السياسي الذي قد يعطل التمويل والتنفيذ ويؤثر على ثقة الشركاء الأوروبيين، ومدى جاهزية الشبكة المحلية حيث إن قدرة تصدير الطاقة تعتمد على تطوير محطات الإنتاج المحلية وتوفير فائض حقيقي.
ويضاف لذلك حاجة ليبيا إلى هيئة تنظيم كهرباء مستقلة، وتعريفة واضحة للتصدير، وسياسات شفافة للمستقبل، وهذا تحدٍّ الآن، بجانب أن التمويل الأجنبي يحتم على ليبيا الالتزام بتقارير فنية وبيئية دقيقة لضمان استمرار الدعم.
بالمقابل، يختلف مع هذا الطرح المستشار السابق بوزارة النفط والخبير بقطاع الطاقة الدكتور أحمد الغابر، قائلاً في حديث لـ«إرم بزنس» «هذا مشروع حلم فقط دون تحقيق وقد كنت كثيراً ما أسعى للتشجيع عليه مع كل مؤسسات الدولة. لكن المعضلات أيام النظام السابق كانت أكثر من قدرتنا نحن التكنوقراط على تجاوزها».
وأضاف: «هذه الفكرة قديمة وجديدة، حيث تم التفاهم مع الاتحاد الأوروبي متذ بداية التسعينيات لتوليد الكهرباء إما بالغاز أو الطاقة الشمسية بسبب توفرهما بكثرة في ليبيا في تلك الفترة ولا يزال كذلك حتى الآن وتمت عرقلة هذا المشروع وتوقف نهائياً بسبب النظام السابق وتجدد الأمر عبر أحاديث فقط ولا جديد مما أخر فرص ليبيا لتوضع على الخريطة الطاقوية الدولية».
ويعتقد المستشار السابق بوزارة النفط والخبير بقطاع الطاقة أحمد الغابر أن ليبيا بوضعها الحالي يمكنها أن توفر بديلاً معقولاً وتكون شريكاً نافعاً لأوروبا في توفير مصادر للطاقة تكون أكثر استدامة نظراً لقربها من الشواطئ الأوروبية وكثافة مصادر الطاقات الشمسية وغير الأحفورية وكذلك سهولة تنفيذ هذه المشاريع فنياً واقتصادياً مقارنة بالنفط والغاز.