
لم يعد تخزين الكهرباء في الخليج مجرد ملف تقني مرتبط بشراء البطاريات وتركيبها، بل يتحول تدريجياً إلى سؤال صناعي أوسع: أي جزء من الأموال التي ستُنفق على أنظمة التخزين يمكن أن يبقى داخل المنطقة، عبر تصنيع الخزانات، والمضخات، والإلكتروليتات، والمبادلات الحرارية، والضواغط، وإلكترونيات القدرة، بدلاً من ذهابه بالكامل إلى موردي الأنظمة والخلايا في الخارج؟.
يأتي هذا السؤال مع توسع مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، وارتفاع الحاجة إلى تخزين الكهرباء لساعات أطول؛ بما يسمح بتخفيف تقلبات الإنتاج المتجدد، ودعم الشبكات بعد غروب الشمس أو تراجع الرياح.
وأعاد إطلاق منصة جديدة من «روكس كابيتال» في الإمارات وسلطنة عُمان هذا النقاش إلى الواجهة؛ إذ قالت المجموعة، في بيان نشرته عبر «EIN Presswire»، إنها ستقيّم تقنيات تشمل بطاريات تدفق الفاناديوم، وفوسفات حديد الليثيوم، وبطاريات أيون الصوديوم، إلى جانب تخزين ثاني أكسيد الكربون، والجاذبية، والهواء المضغوط، والتخزين الحراري، مع دراسة فرص التجميع والتصنيع الإقليمي.
تتسع سوق التخزين عالمياً بوتيرة سريعة. فبحسب «وكالة الطاقة الدولية»، أضاف العالم 108 غيغاواط من قدرات تخزين البطاريات في 2025، بزيادة 40% عن العام السابق، فيما تستحوذ بطاريات فوسفات حديد الليثيوم على نحو 90% من عمليات النشر الجديدة.
وفي الخليج، بدأت الأرقام تنتقل من مستوى المشاريع المحدودة إلى أحجام تقاس بالغيغاواط/ساعة. ففي أبوظبي، وصل مشروع «مصدر» و«مياه وكهرباء الإمارات» إلى الإغلاق المالي باستثمارات تبلغ 6.1 مليار دولار، وفقاً لوكالة أنباء الإمارات، ويجمع المشروع بين 5.2 غيغاواط من الطاقة الشمسية و19 غيغاواط/ساعة من أنظمة تخزين البطاريات.
وفي لقاء سابق مع شريف العلماء، وكيل وزارة الطاقة والبنية التحتية لشؤون الطاقة والبترول في الإمارات، قال لـ«إرم بزنس» إن التخزين أصبح أحد المحاور الأساسية في المرحلة المقبلة من تحول الطاقة، مشيراً إلى أن مشروع «مصدر» و«مياه وكهرباء الإمارات» في أبوظبي يعالج أحد أكبر تحديات الطاقة المتجددة، وهو عدم استمرارية الإنتاج على مدار اليوم.
وأوضح العلماء أن المشروع، الذي يجمع 5.2 غيغاواط من الطاقة الشمسية مع 19 غيغاواط/ساعة من البطاريات، يمثل «تغييراً جذرياً» في طريقة الاستفادة من الطاقة المتجددة؛ لأنه يسمح بتوفير طاقة نظيفة بشكل مستمر على مدار الساعة. كما أكد أن الاستثمارات الإماراتية المقبلة ستركز على الطاقة المتجددة، وتقنيات التخزين، والبطاريات، إلى جانب تطوير شبكات أكثر ذكاء ومرونة.
وفي دبي، تتضمن المرحلة السابعة من «مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية» نظام بطاريات بقدرة 1.4 غيغاواط ولمدة تخزين تصل إلى 6 ساعات، أي ما يعادل 8.4 غيغاواط/ساعة، وفقاً لهيئة كهرباء ومياه دبي.
أما في عُمان، فتستهدف الحكومة رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى ما بين 30% و40% من مزيج الكهرباء بحلول 2030، وفقاً لبيانات رسمية عُمانية؛ ما يجعل التخزين جزءاً متزايد الأهمية من توسعة منظومة الكهرباء خلال السنوات المقبلة.
تصنيع خلايا بطاريات الليثيوم أو الصوديوم يبقى مجالاً كثيف رأس المال والتكنولوجيا، وتسيطر عليه، حالياً، سلاسل توريد عالمية شديدة التركّز. فبحسب «وكالة الطاقة الدولية»، تنتج الصين أكثر من ثلاثة أرباع البطاريات عالمياً؛ ما يجعل دخول هذا المجال من بوابة الخلية نفسها أكثر صعوبة.
لكن أنظمة التخزين لا تتكون من الخلية وحدها. ففي بطاريات التدفق، على سبيل المثال، تُخزن الطاقة داخل إلكتروليت سائل في خزانات منفصلة، ويجري ضخ هذا السائل عبر خلايا كهروكيميائية. وكلما زادت مدة التخزين المطلوبة، زادت الحاجة إلى إلكتروليت، وخزانات، ومضخات، وأنابيب، وأنظمة تحكم.
هذا التصميم يفتح مساحة أمام صناعات قائمة بالفعل في الخليج، خاصة المعادن، والكيماويات، والبوليمرات، والمعدات الهندسية، والأنابيب، والإنشاءات الصناعية.
وتظهر الفرصة نفسها في تقنيات التخزين الحراري، التي تعتمد على خزانات ومواد عزل ومبادلات حرارية ومضخات ووسائط لتخزين الحرارة. كما يرفع تخزين الهواء المضغوط أهمية الضواغط ووحدات التمدد والأعمال الهندسية والإنشائية داخل كلفة المشروع.
لذلك، قد لا تكون نقطة البداية الخليجية في إنتاج «البطارية كاملة»، بل في تصنيع الأجزاء التي تتقاطع مع قاعدة صناعية موجودة، ثم رفع المحتوى المحلي تدريجياً مع نمو الطلب ونقل التكنولوجيا.
بدأت بعض حلقات هذه السلسلة تظهر فعلياً في السعودية. فقد أعلنت «AMG Critical Materials» أن مشروع «IK Supercenter» في المملكة يستهدف استعادة معادن من المخلفات الصناعية، بينها الفاناديوم، على أن يتضمن إنشاء مصنع لإنتاج إلكتروليت الفاناديوم المستخدم في بطاريات التدفق.
ويقدم هذا المشروع نموذجاً عملياً لفكرة التوطين الجزئي. فبدلاً من انتظار بناء سلسلة تصنيع كاملة للبطارية، تبدأ الصناعة من حلقة محددة يمكن ربطها بمواد أولية وقدرات معالجة محلية، ثم التوسع، لاحقاً، نحو مكونات أخرى.
وتتحرك عُمان عبر مسار مختلف يقوم على نقل التكنولوجيا. فقد أعلنت «فولتامب للحلول التقنية» في فبراير 2026 توقيع اتفاقية ترخيص لتوطين تصنيع أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات داخل السلطنة، وفقاً لبيانات منشورة عبر «MarketScreener» نقلاً عن «S&P Capital IQ». وتشمل الاتفاقية تطبيقاً مرحلياً لنقل التقنية وبناء القدرات المحلية.
كلما زادت مدة التخزين، زادت أهمية المكونات المحيطة بالخلايا في بعض التقنيات. ففي بطاريات التدفق والتخزين الحراري والهواء المضغوط، ترتفع حصة الخزانات والمضخات والضواغط والمبادلات الحرارية والهندسة المدنية مقارنة بأنظمة البطاريات التقليدية قصيرة المدة.
وهنا تتسع مساحة الخليج؛ فالمنطقة لا تحتاج بالضرورة إلى منافسة الصين مباشرة في تصنيع خلايا الليثيوم حتى تبني صناعة تخزين محلية. يمكنها أن تبدأ من التجميع، وأنظمة التحكم، والهياكل، والخزانات، والإلكتروليتات، والمكونات الميكانيكية، وإلكترونيات القدرة، ثم تتحرك تدريجياً نحو حلقات أعلى قيمة.
ومع انتقال مشاريع التخزين في الخليج من مئات الميغاواط/ساعة إلى عدة غيغاواط/ساعة، يصبح كل خزان أو مضخة أو إلكتروليت أو مبادل حراري يُنتج محلياً جزءاً من عائد صناعي أوسع للتحول الكهربائي.
بهذا المعنى، لا تكمن الفرصة الخليجية فقط في تأمين الكهرباء بعد غروب الشمس، بل في تحويل جزء من إنفاق الطاقة المتجددة إلى طلب على مصانع وموردين ومهندسين داخل المنطقة.