
تمكّن الأميركيون، الذين سئموا من ارتفاع الأسعار، من الاعتماد على انخفاض أسعار البنزين كتعويضٍ مُرحّب به عن صدمة ارتفاع الأسعار في متاجر البقالة وغيرها. إلا أن حرب إيران تهدد بتغيير هذا الوضع، كما أوردت «داو جونز».
فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد بعد نشوب حرب إيران، إلى جانب أسعار العقود الآجلة للديزل والبنزين. وقد يؤدي الصراع، بحسب تطوراته، إلى ارتفاع أسعار البنزين في محطات الوقود وزيادة التضخم العام.
فما هي العلاقة بين البنزين والتضخم في الولايات المتحدة؟
ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 2.4% في يناير 2026 مقارنةً بالعام الماضي، مُتراجعةً عن مستوى 2.7% في ديسمبر 2025، ويعود ذلك جزئياً إلى انخفاض أسعار البنزين. وانخفضت أسعار البنزين في محطات الوقود بنسبة 7.5% على أساس سنوي في يناير.
لكن العقود الآجلة للخام الأميركي القياسي ارتفعت بنسبة 8% اليوم الثلاثاء لتصل إلى 76.92 دولار للبرميل بعد بدء حرب إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع. وارتفعت أسعار النفط بنسبة تقارب 24% منذ بداية العام. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، تُعدّ أسعار النفط الخام العامل الأكبر والأكثر تأثيراً على أسعار الوقود التي يدفعها الأميركيون.
ويُشير خبراء الاقتصاد إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 5% يرفع معدلات التضخم السنوية بنحو 0.1 نقطة مئوية. قد لا يبدو هذا الارتفاع كبيراً، لكن مع مرور الوقت، يكون له تأثير ملحوظ على الأسعار.
كما يؤثر ارتفاع أسعار البنزين على تكاليف المنتجات والخدمات الأخرى. فعند ارتفاع أسعار النفط، تزداد تكلفة نقل البضائع، كالمواد الغذائية، بالشاحنات، وكذلك تكلفة وقود الطائرات، مما يؤثر بدوره على أسعار تذاكر الطيران.
قد يكون تأثير النزاع على أسعار البنزين والتضخم مؤقتاً. ويقول خبراء الاقتصاد إن ذلك يعتمد على شدة النزاع ومدته. فإذا كانت اضطرابات سوق الطاقة قصيرة، فقد ترتفع أسعار الوقود بشكل طفيف، مما يؤدي إلى زيادة التضخم، ولكن لمدة شهر أو شهرين فقط.
كان هذا الحال في العام الماضي، عندما أدى الصراع الذي دام 12 يوماً بين إيران وإسرائيل إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 10 دولارات للبرميل فقط في ذروتها، ولمدة وجيزة. ونجت البنية التحتية للطاقة إلى حد كبير من هذا الارتفاع.
وبينما يمر المستهلكون بمحطات الوقود يومياً ويرون الأسعار المعلنة، فإن البنزين لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من متوسط إنفاق المستهلك. فقد بلغت نسبته حوالي 3% فقط في ديسمبر، وفقاً لأحدث تقرير حكومي عن التضخم. في المقابل، بلغت نسبة الإنفاق على المواد الغذائية حوالي 13%. وتستحوذ تكاليف السكن على أكثر من ثلث إنفاق الأسر.
واستبعد الرئيس التنفيذي لشركة «جيه بي مورغان تشيس»، جيمي ديمون، أن يؤثر الصراع الإيراني بشكل كبير على التضخم في الولايات المتحدة، شريطة ألا تطول الضربات. وقال لشبكة سي إن بي سي: «سيؤدي هذا الآن إلى ارتفاع طفيف في أسعار البنزين، وإذا لم يطل أمده، فلن يكون له تأثير تضخمي كبير».
وتوقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تستمر العملية الأميركية في إيران من أربعة إلى خمسة أسابيع، "لكن لدينا القدرة على الاستمرار لفترة أطول بكثير".
لم تعد الولايات المتحدة مُعرَّضة لتقلبات أسواق النفط العالمية كما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يؤدي التنقيب عن النفط الصخري إلى زيادات هائلة في الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على النفط الأجنبي. وقد ساهمت اضطرابات النفط الكبيرة في حدوث ركودين اقتصاديين في سبعينيات القرن الماضي.
لكن الصدمات النفطية الكبيرة لا تزال تُلحق الضرر.
وبعد غزو روسيا لأوكرانيا في أوائل عام 2022، ارتفعت أسعار كل من النفط الخام والبنزين بنحو 30% خلال أربعة أشهر، وفقاً لما ذكره ألبرتو كافالو، الخبير الاقتصادي في كلية هارفارد للأعمال، والذي يُتابع الأسعار لدى كبرى متاجر التجزئة.
وقد ساهم ذلك في ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى أكثر من 9% في منتصف عام 2022.
وقال كافالو إن «الارتفاع المستمر في أسعار النفط الخام نتيجة لحرب إيران سينعكس على الأرجح على أسعار البنزين في غضون أسابيع، وسيرفع معدل التضخم العام». وأضاف: «إن تأثير ذلك على أسعار الوقود مرتفع لأن سلسلة التوريد قصيرة نسبياً، ويتم نشر الأسعار وتحديثها باستمرار، والمنافسة شديدة».
قال نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، إنه «إذا ارتفعت أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل لفترة طويلة، فقد يكون ارتفاع معدل التضخم الرئيسي أكثر أهمية، حيث يصل إلى 0.7 نقطة مئوية». وأضاف: «إن هذا من شأنه أن يجعل مجلس الاحتياطي الفيدرالي "أقل رغبة" في خفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل».
كما أن ارتفاع التضخم بشكل ملحوظ سيؤثر سلباً على دخول الأميركيين، وبالتالي على إنفاقهم، وهو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي.
وقد تراجعت بالفعل حجج مجلس الاحتياطي الفيدرالي لتيسير السياسة النقدية هذا العام وسط مؤشرات على استقرار سوق العمل وبعض الضغوط السعرية المستمرة. والآن، قد تدفع صدمة محتملة في قطاع الطاقة، تُضاف إلى زيادات الرسوم الجمركية التي فُرضت العام الماضي والتي لا تزال آثارها ملموسة في سلسلة التوريد، مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من التريث في خفض أسعار الفائدة.
ولطالما تعامل مجلس الاحتياطي الفيدرالي مع صدمات الطاقة على أنها اضطرابات مؤقتة يمكنه تجاوزها، مكتفياً بالانتظار بدلاً من التفاعل مع تقلبات الأسعار. واستندت حجة مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، كما فعل ثلاث مرات بين سبتمبر وديسمبر، إلى تحسن التضخم على المدى القريب.