
تعكس التقلبات الأخيرة في أسواق الطاقة كيف تقوم الأسواق بتضمين المخاطر الجيوسياسية في تسعير النفط والغاز مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إذ يعيد المستثمرون بشكل مستمر تقييم تأثير احتمالات اضطراب الإمدادات عبر الخليج على الأسعار.
ويشير تحليل لـ«المجلس الأطلسي» (Atlantic Council) إلى أن رد فعل الأسواق حتى الآن اتسم بقدر من الانضباط النسبي، رغم ارتفاع مستويات التقلب عبر عدد من فئات الأصول. وفي حين لم تظهر اضطرابات حادة في أسواق السندات أو العملات أو الائتمان، تحركت أسعار الطاقة بسرعة أكبر مع إدخال علاوة الحرب في التسعير.
وخلال وقت سابق قفزت أسعار الغاز الطبيعي مع تعطل بعض منشآت المعالجة في الخليج، في حين اختبر النفط لفترة وجيزة مستوى 100 دولار للبرميل، وهو مستوى نفسي رئيسي في تسعير الأسواق. كما تباطأت حركة الشحن عبر «مضيق هرمز»، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ما دفع المتعاملين إلى رفع تقديرات المخاطر المرتبطة بتدفقات الإمدادات.
لكن الأسعار تراجعت لاحقاً إلى ما يقارب 90 دولاراً للبرميل بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح فيها إلى أن الصراع قد يقترب من نهايته ثم عادت لمستويات 98 دولاراً خلال الأسبوع. ويعكس هذا التحرك السريع مدى حساسية أسواق الطاقة لأي تغير في توقعات مدة الحرب ومسارها.
في أوقات الصدمات الجيوسياسية، تميل الأسواق إلى التركيز على عاملين أساسيين في التسعير: مدة الاضطراب ودرجة عدم اليقين. ويبرز تأثير العامل الأول بوضوح في أسواق الطاقة.
ففي هذه الأسواق، يتميز الطلب بقدر كبير من الجمود في الأجل القصير؛ إذ تحتاج المصانع إلى الطاقة لمواصلة الإنتاج، ويعتمد قطاع النقل على الوقود، كما تستمر الأسر في استهلاك الطاقة حتى في ظل ارتفاع الأسعار.
ولهذا، عندما تتعرض الإمدادات لأي اضطراب، تميل الأسواق إلى عكس صدمة العرض بسرعة في الأسعار بدلاً من افتراض تراجع فوري في الطلب. وكلما طال أمد الاضطراب في الإمدادات، ارتفعت الأسعار لتعكس شح العرض المحتمل.
وتوضح قراءة «المجلس الأطلسي» لهذه الديناميكية أن صدمات الطاقة غالباً ما تنتقل تدريجياً إلى بقية الاقتصاد العالمي عبر قنوات التضخم؛ فارتفاع أسعار النفط والغاز يضغط على تكاليف الإنتاج والنقل، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول. وبذلك يمكن أن تتحول صدمة جيوسياسية في سوق الطاقة إلى عامل مؤثر في أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي العالمي.
العامل الثاني في تسعير الحرب هو عدم اليقين الاستراتيجي، فغالباً ما تستطيع الأسواق استيعاب صدمات كبيرة عندما يكون المسار المستقبلي واضحاً نسبياً. لكن عندما تصبح السيناريوهات المحتملة متعددة وغير واضحة، يطالب المستثمرون بعلاوة مخاطر أعلى مقابل الاحتفاظ بالأصول.
ويظهر ذلك في ارتفاع التقلبات، واتساع فروق العوائد في أسواق الائتمان، إضافة إلى زيادة الطلب على الأصول الآمنة.
وفي حالة الحرب مع إيران، تدخل مجموعة من المخاطر الجيوسياسية في حسابات المستثمرين عند تسعير الأصول، وفي مقدمتها احتمال تعطل الملاحة عبر «مضيق هرمز»، واتساع نطاق العمليات العسكرية في المنطقة، إضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع مستوى عدم الاستقرار.
وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى توسيع نطاق السيناريوهات المحتملة أمام الأسواق، ما يدفع المتعاملين إلى رفع علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار الطاقة وعدد من الأصول المرتبطة بالنمو العالمي.
لفهم سلوك الأسواق في مثل هذه الظروف، يلجأ بعض الاقتصاديين إلى تشبيه مستمد من تسعير المشتقات المالية. فالخيار المالي يمنح المستثمر الحق في شراء أو بيع أصل معين بسعر محدد مسبقاً، ويعتمد سعره أساساً على عاملين: مدة العقد ودرجة التقلب في السوق.
وإذا اعتُبر الاقتصاد العالمي هو الأصل الأساسي في هذه المعادلة، فإن الصدمة الجيوسياسية تفتح الباب أمام سيناريوهات هبوط محتملة. ويستجيب المستثمرون لذلك عبر البحث عن أدوات تحوط، وهو ما يشبه شراء «خيار بيع» (Put Option) يتيح حماية قيمة الأصل في حال تراجع الأسواق.
وضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى الحرب مع إيران بوصفها «خيار بيع جيوسياسي» على الاقتصاد العالمي. فقيمة هذا الخيار ترتفع عندما يزداد عدم اليقين أو عندما يتوقع المستثمرون أن تستمر الأزمة لفترة أطول. وهذا يعني أن الأسواق لا تتفاعل فقط مع الخسائر الاقتصادية التي حدثت بالفعل، بل أيضاً مع القيمة الاحتمالية للمخاطر المستقبلية.
تكشف التحركات الأخيرة في أسعار النفط والغاز أن المستثمرين بدأوا بالفعل إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية طويلة الأجل المرتبطة بإمدادات الطاقة.
فارتفاع الأسعار لم يكن نتيجة نقص فعلي كبير في الإمدادات حتى الآن، بل نتيجة ارتفاع احتمالات حدوث اضطراب أوسع في المستقبل. ولهذا تتحرك الأسعار بسرعة مع كل تصريح سياسي أو تطور عسكري.
ويلاحظ محللون أن ما يجري في السوق يعكس إدخال علاوة حرب في أسعار الطاقة، وهي علاوة قد تبقى مرتفعة طالما ظل مسار الصراع غير واضح.
في هذا السياق، يمكن لصناع القرار التأثير بشكل مباشر في طريقة تفاعل الأسواق مع المخاطر الجيوسياسية. فكلما تقلصت المدة المتوقعة للصراع، تراجعت علاوة المخاطر التي تضيفها الأسواق إلى أسعار الطاقة، إذ يميل المستثمرون إلى خفض تقديراتهم لاحتمال حدوث اضطرابات طويلة في الإمدادات.
كما أن تراجع الغموض الاستراتيجي يلعب دوراً مهماً؛ فعندما تقدم الحكومات رؤية أوضح لأهدافها العسكرية والسياسية وتحدد مسارات محتملة لخفض التصعيد، تنخفض مستويات التقلب في الأسواق.
ووفق تقدير «المجلس الأطلسي»، فإن وضوح الاستراتيجية السياسية يمكن أن يخفف الضغوط على التسعير في الأسواق حتى مع استمرار التوترات الجيوسياسية.
في النهاية، تشير تحركات النفط والغاز إلى أن الأسواق لا تتفاعل فقط مع الحرب نفسها، بل مع المدة المتوقعة للصراع ومستوى عدم اليقين المحيط به.
وطالما بقي هذان العاملان مفتوحين، فمن المرجح أن تبقى أسعار الطاقة شديدة الحساسية لأي تطور سياسي أو عسكري. وفي اقتصاد عالمي يعتمد بشدة على تدفقات الطاقة عبر الخليج، يرجح أن تبقى تقلبات الأسعار السمة الأبرز في أسواق الطاقة خلال المرحلة المقبلة.