logo
طاقة

هجوم قرب ينبع يحرك سوق النفط.. هل بات طريق البحر الأحمر أخطر؟

هجوم قرب ينبع يحرك سوق النفط.. هل بات طريق البحر الأحمر أخطر؟
صورتان تم التقاطهما عبر القمر الصناعي «سنتينل 2» الأوروبي، تظهران خمس ناقلات نفط عملاقة راسية في محطات تحميل النفط الخام المختلفة في ميناء ينبع في 1 أغسطس.المصدر: «بلومبرغ»
تاريخ النشر:

لم يحتج سوق النفط إلى إغلاق ميناء أو توقف خط أنابيب كي يعيد تسعير المخاطر في الشرق الأوسط. إعلان واحد عن استهداف ناقلة نفط سعودية قبالة ميناء ينبع كان كافياً لدفع خام برنت مجدداً فوق 80 دولاراً للبرميل، بعد يوم واحد فقط من هبوط حاد غذته آمال التهدئة الإقليمية.

بحلول ظهر الأربعاء 5 أغسطس بتوقيت غرينتش، ارتفع برنت نحو 1% إلى 80.17 دولار للبرميل، وصعد غرب تكساس الوسيط إلى 76.11 دولار. جاء الارتفاع بعدما قالت جماعة الحوثيين إنها استهدفت ناقلة نفط سعودية قبالة ينبع، أحد أهم منافذ التصدير السعودية على البحر الأحمر، من دون أن يرد مسؤولون سعوديون فوراً أو تتوافر تفاصيل مستقلة عن اسم الناقلة أو حجم الأضرار.

حتى الادعاء غير المؤكد كان كافياً لتذكير السوق بأن الخطر لم يعد محصوراً في «مضيق هرمز»، وأن الطريق الذي تعتمد عليه السعودية لتجاوز اضطراباته قد يواجه بدوره تهديداً متزايداً. فقبل الإعلان، كان برنت قد تراجع 5% وأغلق دون 80 دولاراً للمرة الأولى منذ 13 يوليو، بعدما لمّحت قطر إلى تقدم في وساطة إنهاء الحرب مع إيران؛ لكن طهران نفت وجود محادثات، ثم جاء إعلان الحوثيين ليعيد جزءاً من علاوة المخاطر خلال ساعات.

وهذا جوهر علاوة المخاطر الجيوسياسية: السعر لا ينتظر فقدان البراميل فعلياً، بل يتحرك مع ارتفاع احتمال فقدانها.

أخبار ذات صلة

عاملون في معمل تكرير النفط بشركة «أرامكو السعودية» بقيق، السعودية 20 سبتمبر 2019.

استمرار شحن النفط بميناء ينبع السعودي رغم هجوم خط شرق-غرب

لماذا ينبع مهمة إلى هذه الدرجة

ينبع ليست مجرد ميناء إضافي، بل الركيزة الأساسية لخطة السعودية لتصدير الخام بعيداً عن هرمز. فمعظم النفط السعودي يُنتج قرب الخليج، لكن المملكة تمتلك خط أنابيب شرق–غرب «بترولاين» الذي ينقل الخام براً إلى ينبع على البحر الأحمر، بطاقة كاملة تبلغ نحو 7 ملايين برميل يومياً بحسب وزارة الطاقة. وتضيف محطة ينبع الجنوبية، العاملة منذ 2018، نحو 3 ملايين برميل يومياً أخرى لقدرة التصدير من الساحل الغربي. لهذا يُعد ينبع صمام الأمان الذي يفترض أن يحمي الصادرات إذا أصبح هرمز غير آمن.

المسار البديل ليس معزولاً عن الخطر

النقل إلى ينبع يتجنب هرمز، لكنه لا يلغي المخاطر البحرية؛ فالناقلة المغادرة منه تتجه شمالاً عبر قناة السويس أو جنوباً عبر باب المندب، وكلا الاتجاهين يمر ببيئة أمنية حساسة تسيطر جماعة الحوثيين على جزء منها بقدرة مثبتة على استهداف السفن. وقد ظهرت إشارات على هذا التحول قبل حادث الأربعاء في 30 يوليو، أفادت رويترز بأن ناقلتين تحملان نفطاً سعودياً إلى مصافٍ هندية أطفأتا أجهزة التتبع أثناء عبورهما باب المندب، عقب إعلان الحوثيين فرض حصار على الشحنات السعودية، وبعد إصابة سفينتين أخريين تديرهما الشركة اليونانية نفسها. هذه التطورات لا تعني توقف الشحن، لكنها تظهر أن الخطر بدأ يؤثر في سلوك الناقلات والمشترين فعلياً.

صورة بالأقمار الصناعية وفرتها شركة "بلانيت لابس بي بي سي" عن البنية التحتية النفطية في ميناء ينبع السعودي- 4 مارس 2026.
صورة بالأقمار الصناعية وفرتها شركة "بلانيت لابس بي بي سي" عن البنية التحتية النفطية في ميناء ينبع السعودي- 4 مارس 2026.المصدر: (أ ف ب)

المعضلة الجديدة.. هرمز أم باب المندب؟

ميزة السعودية على كثير من منتجي الخليج هي قدرتها على نقل النفط براً إلى البحر الأحمر، لكن هذه الميزة تصبح أقل حسماً إذا تزامن الضغط على هرمز مع تهديد السفن في البحر الأحمر نفسه. عندها لا يعود السؤال هل تستطيع السعودية الالتفاف على هرمز، بل هل تستطيع ذلك من دون الانتقال إلى ممر مضطرب آخر. وحتى مع بقاء الموانئ وخطوط الأنابيب عاملة بكامل طاقتها، قد تظهر تكاليف إضافية في خمسة مجالات: التأمين البحري، مع ارتفاع علاوات مخاطر الحرب؛ أجور الناقلات، مع طلب مالكي السفن أسعاراً أعلى أو رفض بعضهم العمل في المسارات الأكثر تعرضاً؛ تغيير الطرق، بما يعنيه من رحلات أطول واستهلاك وقود أكبر؛ شروط البيع، مع تفضيل المشترين الشراء على أساس التسليم لنقل المخاطر إلى البائع؛ وإدارة الأسطول، عبر إطفاء أجهزة التتبع أو تعديل المسارات، وهي إجراءات تخفض الخطر لكنها تزيد التعقيد التشغيلي.

لماذا لم يقفز النفط بصورة أكبر

رغم حساسية الخبر، ارتفع برنت 1% فقط، ولم يعد إلى مستويات الذروة في مراحل سابقة من الحرب. فالهجوم كان، في تلك اللحظة، ادعاءً حوثياً من دون تأكيد سعودي أو دليل على تعطل الصادرات، ولم تعلن مرافق ينبع وخط شرق–غرب توقفهما. كما ارتفعت مخزونات الخام الأميركية نحو 2.7 مليون برميل في الأسبوع المنتهي 31 يوليو وفق معهد البترول الأميركي، وخففت الصين قيود صادرات الوقود في أغسطس، وكلاهما إشارة معاكسة للقلق بشأن شح المعروض. لذلك لم تكن حركة الأربعاء تسعيراً لتعطل واسع، بل إعادة محدودة لعلاوة الاحتمال.

أخبار ذات صلة

مضخات نفط وشعار شركة «أرامكو السعودية» في رسم توضيحي، يوم 2 مارس 2026.

السعودية تزيد صادراتها النفطية عبر ميناء ينبع بوتيرة قياسية

الاختبار الحقيقي ليس الحادث بل التكرار

حادث واحد لا يكفي للحكم بأن طريق البحر الأحمر أصبح غير صالح للصادرات السعودية؛ فالمملكة تمتلك بنية تحتية ضخمة وخبرة في التعامل مع اضطرابات الإمداد، لكن قيمته التحليلية تكمن في توقيته: جاء بينما تراهن السوق على أن خط شرق–غرب وينبع يوفران بديلاً آمناً نسبياً عن هرمز. ستراقب الأسواق خلال الأيام المقبلة أربعة مؤشرات: هل تؤكد السعودية وقوع الهجوم وتكشف تفاصيله؟ هل تستمر عمليات التحميل في ينبع بمعدلاتها المعتادة؟ هل ترفع شركات التأمين علاوات مخاطر الحرب؟ وهل تبدأ ناقلات إضافية بتغيير مساراتها أو رفض شحنات معينة؟

إعلان استهداف ناقلة قبالة ينبع لم يثبت أن صادرات السعودية تعطلت، لكنه أثبت أن السوق لم يعد ينظر إلى البحر الأحمر باعتباره بديلاً خالياً من المخاطر. السعودية ما زالت تمتلك ميزة استراتيجية كبيرة عبر خط شرق–غرب، القادر على نقل نحو 7 ملايين برميل يومياً إلى الساحل الغربي، وميناء ينبع يظل من أهم أصول المرونة في منظومة النفط العالمية، لكن المرونة في البنية التحتية لا تساوي بالضرورة الأمان الكامل في الملاحة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف