
تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مسلطة الضوء على «مضيق هرمز» مجدداً أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم وسط مخاوف من إقدام طهران على إغلاقه حال تعرضها لأي ضربة عسكرية، ما يضع إمدادات الطاقة العالمية أمام اختبار صعب، في ظل تهديدات مستمرة لحرية الملاحة.
وبحسب خبراء تحدثت معهم «إرم بزنس» فإن أيّ إغلاق للمضيق سيسبّب هزّة كبيرة وستتفاعل الأسواق قبل حتى توقّف ناقلات النفط عن الإبحار، وسيرتفع سعر برميل النفط حال استمرّ الإغلاق لعدة أسابيع لـ150 دولاراً مؤكدين أن «آسيا ستتحمل الضربة الأقوى».
ولن يقتصر التأثير على قطاع الطاقة فقط، وفق الخبراء، حيث ستشعر سلاسل التوريد العالمية بتداعيات سريعة، مع ارتفاع أقساط التأمين، وتغيير مسارات ناقلات النفط، وارتفاع تكاليف الوقود ما سينعكس على أسعار المستهلكين وهوامش أرباح الشركات ومن ثم تباطؤ الاقتصاد العالمي.
يقع المضيق بين عُمان وإيران ويربط بين الخليج شمالاً وخليج عُمان وبحر العرب جنوباً، ويبلغ اتساعه 33 كيلومتراً عند أضيق نقطة، ولا يتجاوز عرض ممري الدخول والخروج فيه ثلاثة كيلومترات في كلا الاتجاهين.
ويمر عبر المضيق نحو خمس إجمالي استهلاك العالم من النفط، وأظهرت بيانات من شركة «فورتيكسا» أن أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والوقود كانت تمر يومياً عبر المضيق في المتوسط العام الماضي.
وتصدّر السعودية وإيران والإمارات والكويت والعراق، الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، معظم نفطها الخام عبر المضيق، لا سيما إلى آسيا. وتنقل قطر، وهي من أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، كل غازها الطبيعي المسال تقريباً عبر المضيق.
وتسعى الإمارات والسعودية إلى إيجاد طرق بديلة لتجاوز المضيق. وذكرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية في يونيو من العام الماضي أن نحو 2.6 مليون برميل يومياً من طاقة خطوط الأنابيب الإماراتية والسعودية غير المستغلة قد تكون بديلاً لـ«مضيق هرمز».
ويرى أوميد شكري، الخبير الاستراتيجي في الطاقة والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، أن إغلاق «مضيق هرمز» حال تصاعد التوترات الأميركية الإيرانية سيؤدي إلى تعطيل فوري لتدفقات النفط بنحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي ونحو ربع تجارة النفط الخام المنقولة بحراً. وستتفاعل الأسواق قبل حتى توقف ناقلات النفط عن الإبحار.
وستؤدي الصدمة النفسية وحدها إلى زيادة حادة في علاوة المخاطرة في أسواق العقود الآجلة، مما سيؤدي إلى تقلبات فورية في سعر خام برنت والمؤشرات ذات الصلة، وفق شكري.
وبشأن توقعاته، يقول شكري: «على المدى القريب، قد ترتفع الأسعار إلى ما بين 85 و95 دولاراً في غضون أيام. وإذا انخفضت التدفقات بشكل كبير لعدة أسابيع، فقد يصل سعر خام برنت إلى ما بين 100 و110 دولارات، وفي حال استمرار الإغلاق لعدة أسابيع، فمن المرجح أن تتجاوز الأسعار 120 دولاراً للبرميل».
وأوضح أن الطاقة الاستيعابية المحدودة عبر خط أنابيب الشرق والغرب السعودي وخط الفجيرة الإماراتي، والتي تبلغ حوالي 2.5 إلى 3 ملايين برميل يومياً، ستخفف من حدة الصدمة، لكنها لن تعوضها تماماً. وكلما طال أمد الاضطراب، قلّ تركيز الأسواق على الذعر، وزادت حساسيتها تجاه النقص الهيكلي في الأسعار.
وستتحمل آسيا الضربة الأقوى، إذ يتجه أكثر من 80% من صادرات خام هرمز والغاز الطبيعي المسال إلى مشترين آسيويين، حيث تعتمد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية اعتماداً كبيراً على تدفقات الطاقة من الخليج. وسيؤدي أي اضطراب إلى إجبار مصافي التكرير وشركات المرافق على البحث عن مصادر بديلة، مما سيرفع الأسعار الإقليمية وتكاليف الشحن.
أما أوروبا، التي تعاني أصلاً من شح هيكلي في أسواق الغاز، فستواجه ضغوطاً غير مباشرة مع تنافس المشترين الآسيويين على شحنات الغاز الطبيعي المسال البديلة، مما سيرفع تكاليف الصناعة والكيماويات والمعادن ومستلزمات التصنيع.
إلى جانب قطاع الطاقة، ستشعر سلاسل التوريد العالمية بتداعيات سريعة. فارتفاع أقساط التأمين، وتغيير مسارات ناقلات النفط، وارتفاع تكاليف الوقود، كلها عوامل ستزيد من نفقات الشحن في جميع أنحاء العالم، وفق أوميد شكري.
وقد تنخفض مخزونات التوريد الفوري في قطاعات مثل الإلكترونيات والأسمدة والبتروكيماويات في غضون أسابيع، بحسب شكري، الذي أوضح أنه حتى الاقتصادات الأقل اعتماداً بشكل مباشر على نفط الخليج ستواجه ارتفاعاً في تكاليف المدخلات، مما سينعكس على أسعار المستهلكين وهوامش أرباح الشركات.
ويظهر الاقتصاد العالمي في أوائل عام 2026 نمواً معتدلاً، ولكنه يبقى عرضة لصدمات الطاقة، وعادةً ما يؤدي استمرار أسعار النفط فوق 75 إلى 80 دولاراً إلى تفاقم الضغوط التضخمية وتقييد مرونة البنوك المركزية.
وأضاف شكري: «لذا، قد يؤدي إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة إلى ديناميكيات الركود التضخمي في ظل ارتفاع الأسعار بالتزامن مع تباطؤ النمو».
وتوفر الاحتياطيات الاستراتيجية وخيارات إعادة توجيه الإمدادات حماية مؤقتة، لكن حدوث اضطراب لعدة أسابيع من شأنه أن يزيد بشكل كبير من مخاطر الركود، لا سيما في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد في آسيا وأوروبا.
في المقابل، يشير نهاد إسماعيل، الخبير في الاقتصاد الدولي واقتصاديات الطاقة إلى أن الأسواق في هذه المرحلة بدأت تقلل من احتمالات سيناريوهات كارثية كإغلاق مضيق هرمز، وسط توقعات بأن أي عمل عسكري أميركي سيكون محدوداً وقصير الأمد والتأثير على أسعار النفط سيكون محدوداً أيضاً لأن واشنطن لا تريد استهداف البنية التحتية النفطية لكي لا تصعد الأسعار لمستويات عالية جداً وهذا يؤذي الناخب الأميركي إذا ارتفعت أسعار البنزين والديزل في محطات بيع الوقود.
قبل أن يستدرك: «لكن إذا تم فعلاً توجيه ضربة عسكرية أميركية كبيرة على أهداف إيرانية وقام بإغلاق مضيق هرمز ستختلف المعادلة».
وأوضح أن الإغلاق وتعطيل الإمدادات النفطية الخليجية لفترة قصيرة ربما يرفع الأسعار ما بين 10 و20 دولاراً للبرميل ولكن إذا أغلق المضيق لأسابيع قد تصعد الأسعار إلى 120 دولاراً أو حسب بعض التقديرات إلى 150 دولاراً للبرميل وسيرافق ذلك ارتفاع أسعار الشحن والتأمين وتباطؤ الاقتصاد العالمي.
وأكد أن الأسواق تترقب التطورات بحذر ولا يوجد حالة فزع لهذا بقيت الأسعار مستقرة حول 71 دولاراً لخام برنت و66 دولاراً لخام غرب تكساس.