الولايات المتحدة تملأ مخزونها بسعر التكلفة
فنزويلا تمتلك أكثر من 17% من الاحتياطيات

لم تعد عودة النفط الفنزويلي إلى السوق العالمية مجرد قصة عن رفع العقوبات أو استعادة إنتاج خسرته كراكاس على مدار سنوات، بعدما تحولت الصفقة الجديدة مع واشنطن إلى ترتيب يمنح الولايات المتحدة سيطرة على أكثر من 65 مليار برميل، مع إمكانية الحصول على الخام بسعر التكلفة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذهب أبعد من ذلك أمس الأحد، عندما وصف النفط الذي ستحصل عليه بلاده بأنه «هدية من فنزويلا إلى شعب الولايات المتحدة»، معلنا استخدامه في إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الذي هبط إلى أدنى مستوياته في أكثر من أربعة عقود.
بين احتياطيات فنزويلية هي الأكبر في العالم وإنتاج يمثل بالكاد أكثر من 1% من الإمدادات العالمية حاليا، تمنح الصفقة واشنطن وصولا طويل الأجل إلى عشرات المليارات من البراميل، فيما يتوقف حجم الإنتاج الفعلي على الاستثمارات والبنية التحتية وقدرة القطاع على استعادة طاقته.
تملك فنزويلا نحو 303 مليارات برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، بما يعادل أكثر من 17% من الاحتياطيات العالمية، وهي الأكبر لأي دولة في العالم، لكن إنتاج البلاد لا يزال عند جزء صغير من إمكاناتها بعد سنوات من نقص الاستثمار والعقوبات وتدهور البنية التحتية.
وتكشف الأرقام فجوة كبيرة بين الاحتياطيات والإنتاج، إذ تستحوذ فنزويلا على نحو سدس الاحتياطيات النفطية العالمية، بينما يمثل إنتاجها الحالي بالكاد أكثر من 1% من الإمدادات العالمية.
ترى رئيسة استراتيجية السلع العالمية في «جيه بي مورغان»، ناتاشا كانيفا، أن فنزويلا تمثل أحد أكبر مخاطر ارتفاع إمدادات النفط العالمية خلال 2026 و2027 وما بعدهما، مشيرة إلى أن الاستثمارات الجديدة والإصلاحات المؤسسية يمكن أن تدفع الإنتاج إلى 2.5 مليون برميل يوميًا خلال العقد المقبل.
أعلن ترامب أن الولايات المتحدة حصلت على سيطرة الأغلبية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية الفنزويلية المؤكدة من خلال شراكة مع شركات خاصة، وهي كمية تعادل أكثر من خمس إجمالي احتياطيات البلاد.
ويشمل الاتفاق حقوق تطوير 17 حقلا تحتوي على نحو 65 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، فيما قال مسؤول أميركي إن الترتيبات تمنح الولايات المتحدة فعليا 55% من إنتاج المشروع، بينما تؤكد كراكاس احتفاظها بالسيادة على مواردها الطبيعية.
تقول كانيفا من «جيه بي مورغان» إن زيادة وصول الولايات المتحدة إلى جزء كبير من الاحتياطيات الفنزويلية يمكن أن يعزز أمن الطاقة الأميركي وتعيد تشكيل ميزان القوة داخل أسواق الطاقة العالمية.
تمنح الترتيبات واشنطن إمكانية الحصول على جانب من الخام الفنزويلي بسعر التكلفة، في وقت تمتلك فيه المصافي الأميركية، خصوصا على ساحل خليج المكسيك، تجهيزات ملائمة لمعالجة الخامات الثقيلة التي تشكل الجانب الأكبر من إنتاج فنزويلا.
وترى «غولدمان ساكس لإدارة الأصول» أن زيادة واردات الخام الفنزويلي الثقيل ستصب بصورة أساسية في مصلحة المصافي الأميركية على ساحل خليج المكسيك، إذ صمم عدد كبير منها تاريخيًا لمعالجة هذا النوع من النفط.
كما تقول المؤسسة إن زيادة تدفقات النفط الفنزويلي يمكن أن تحسن اقتصاديات تشغيل المصافي الأميركية، لكنها تشير إلى أن زيادة الإنتاج نفسه تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات وفترة زمنية تمتد لسنوات.
بحسب تقارير دولية، تخطط الحكومة الأميركية للحصول على حصة سلبية تبلغ 35% في شركة «نورث أميركان بلو إينرجي بارتنرز» التابعة لرجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت، إضافة إلى حقوق تفضيلية لشراء 20% من إنتاج الشركة بسعر التكلفة.
وتشير التقارير إلى أن مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الدفاع الأميركية قد يشارك في هيكلة تمويل المشروع من خلال ترتيبات تسمح بدعم الاستثمار دون الحاجة إلى ضخ رأسمال حكومي كبير بصورة مباشرة.
لكن المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل نفى استحواذ المكتب على حصص ملكية في الشركات الخاصة، مؤكدا أن صلاحياته تقتصر على القروض وضمانات القروض والمساعدات الفنية، بما في ذلك هيكلة الصفقات لتطوير وتمويل الاستثمارات.
قال ترامب يوم الأحد إن النفط الذي سيتوفر نتيجة الاتفاق سيستخدم في إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، مضيفا أن عملية «استكمال ملء» المخزون ستبدأ قريبا، ووصف الخام بأنه «هدية من فنزويلا إلى شعب الولايات المتحدة».
ويحتوي الاحتياطي على نحو 290 مليون برميل حتى 21 أغسطس، مقتربا من أدنى مستوياته في 44 عاما، بعدما استخدمت الولايات المتحدة المخزون خلال السنوات الماضية لمواجهة اضطرابات الإمدادات العالمية وارتفاع أسعار الوقود.
ولم تحدد الإدارة الأميركية حتى الآن حجم الخام الفنزويلي الذي سيخصص للاحتياطي أو الجدول الزمني لوصوله، فيما يتطلب توفير كميات إضافية كبيرة زيادة الإنتاج الفنزويلي وإصلاح جانب من البنية التحتية للقطاع.
ترى «غولدمان ساكس لإدارة الأصول» أن تطوير صناعة النفط الفنزويلية يواجه حواجز كبيرة، إذ تحتاج زيادة الإنتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات تمتد لعدة سنوات، إلى جانب تحسين شبكات الكهرباء ومنشآت معالجة ونقل النفط.
وتشير المؤسسة إلى أن شركات الطاقة الكبرى تحتاج قبل الالتزام باستثمارات رأسمالية كبيرة إلى وضوح بشأن القواعد التنظيمية وضمان العقود وتسوية الديون السابقة واستمرار الدعم السياسي للاستثمارات طويلة الأجل.
تتوقع «ريستاد إنرجي» ارتفاع إنتاج الخام الفنزويلي بنحو 17%، أو ما يقارب 194 ألف برميل يوميا، بين الربع الأخير من 2025 والربع الأخير من 2028، على أن يأتي معظم النمو من الأصول المنتجة بالفعل وليس من مشروعات جديدة واسعة النطاق.
ترى المؤسسة أن القدرة على التنفيذ ستحدد سرعة تعافي القطاع، إذ يحتاج نمو الإنتاج إلى توفير المخففات وزيادة أنشطة الحفر وصيانة الآبار وتحسين البنية التحتية ورفع عدد الحفارات العاملة.
وتتوقع «ريستاد إينرجي» أن تشكل الخامات الثقيلة وفائقة الثقل نحو ثلاثة أرباع الإنتاج حتى 2028، مع مساهمة حزام أورينوكو بنحو 60% من الإجمالي، فيما ينتظر أن توفر شركات النفط الدولية قرابة ثلثي الزيادة المتوقعة في الإنتاج.
تقول «وود ماكنزي» إن ضخامة الموارد النفطية الفنزويلية تصطدم بتحديات تنفيذية بعد سنوات من نقص الاستثمار والعقوبات وارتفاع التكاليف وتدهور البنية التحتية.
وتقدر المؤسسة أن إضافة مليون برميل يوميا إلى إنتاج فنزويلا ستتطلب عشرات المليارات من الدولارات من الاستثمارات في قطاع المنبع وحده، وبتكلفة للوحدة أعلى من فرص استثمارية منافسة أمام الشركات في مناطق أخرى.
كذلك ترى «وود ماكنزي» أن إعادة تشغيل الطاقات المتوقفة وتحسين المشروعات القائمة يمكن أن يرفعا الإنتاج في المرحلة الأولى، لكن الانتقال إلى نمو مستدام يحتاج إلى استثمارات أكبر وفترة زمنية أطول.
تتوقع «ريستاد إنرجي» أن توفر شركات النفط الدولية نحو ثلثي الزيادة في إنتاج فنزويلا حتى 2028، مع تصدر «شيفرون» قائمة المساهمين في النمو إلى جانب «ريبسول» و«إيني» وشركات دولية أخرى.
وتشير المؤسسة إلى أن معظم النمو المتوقع سيأتي من توسيع الإنتاج في المشروعات المشتركة القائمة، بينما توازن الشركات الدولية بين ضخامة الموارد المتاحة والتكاليف والتعقيدات التشغيلية ومخاطر الاستثمار طويل الأجل.
ترى «غولدمان ساكس لإدارة الأصول» أن شركات الطاقة الكبرى لا تزال حذرة تجاه الالتزام باستثمارات رأسمالية ضخمة على المدى القصير رغم حجم الاحتياطيات الفنزويلية.
ترى «جيه بي مورغان» أن الإنتاج الفنزويلي يمكن أن يصل إلى 2.5 مليون برميل يوميا خلال العقد المقبل في حال تدفق الاستثمارات وإجراء إصلاحات مؤسسية، معتبرة أن تطورات فنزويلا تمثل أحد أبرز مخاطر ارتفاع الإمدادات العالمية في السنوات المقبلة.
في المقابل، تتوقع «وود ماكنزي» أن يظل تأثير فنزويلا محدودا على المعروض خلال 2026، قبل أن تبدأ البراميل الإضافية في التأثير بصورة أكبر خلال السنوات التالية، مع ارتباط وتيرة التعافي بحجم الاستثمارات والبنية التحتية والقدرة التشغيلية.
وتتوقع «ريستاد إينرجي» بدورها زيادة محدودة حتى 2028 مقارنة بضخامة الاحتياطيات المتاحة، مع اعتماد معظم النمو على الحقول والمشروعات القائمة وشركات النفط الدولية.
تقول كانيفا من «جيه بي مورغان» إن زيادة النفوذ الأميركي على جزء كبير من الاحتياطيات الفنزويلية يمكن أن تعزز أمن الطاقة للولايات المتحدة وتغير ميزان القوة داخل أسواق الطاقة العالمية.
في المقابل، تؤكد الحكومة الفنزويلية أن الاتفاق لا ينقل ملكية الموارد الطبيعية إلى الولايات المتحدة، وأن كراكاس تحتفظ بسيادتها على النفط، فيما تستهدف الاتفاقات الجديدة جذب الاستثمارات وإعادة بناء القطاع وزيادة الإنتاج والإيرادات.
وتشير تقديرات «غولدمان ساكس» و«ريستاد إينرجي» و«وود ماكنزي» إلى أن تحويل الاحتياطيات إلى إنتاج فعلي يحتاج إلى سنوات واستثمارات بمليارات الدولارات، بينما تمنح الترتيبات واشنطن حقوقًا في الإنتاج وإمكانية الحصول على جانب من الخام الفنزويلي بسعر التكلفة.