
تواجه أوروبا خيارات صعبة لتجنب أزمة محتملة في إمدادات الغاز الطبيعي خلال فصل الشتاء، مع انخفاض مستويات التخزين عن معدلاتها المعتادة واستمرار تداعيات الحرب مع إيران على أسواق الطاقة العالمية، ما يضع القارة أمام خيارين مكلفين، إما دفع أسعار أعلى لتأمين الإمدادات أو خفض الاستهلاك بصورة أكبر.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، الجمعة، تدخل أوروبا موسم التدفئة بمخزونات غاز أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية، في وقت لا تزال فيه الأسعار تزيد على ضعف مستوياتها المسجلة قبل اندلاع الحرب مع إيران، وسط مخاوف من تفاقم الضغوط على الإمدادات إذا شهدت القارة موجات برد شديدة.
وتشير بيانات مؤسسة «البنية التحتية للغاز في أوروبا» إلى أن مرافق التخزين تحت الأرض ممتلئة بنسبة تزيد قليلاً على 73%، مقارنة بمتوسط موسمي يقترب من 90%، ما يعكس فجوة كبيرة في احتياطيات الغاز المتاحة لتلبية الطلب خلال الأشهر الباردة.
يتمثل أحد الخيارات المتاحة أمام الدول الأوروبية في زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية لتعويض النقص في المخزونات، غير أن هذه الخطوة قد تتطلب دفع أسعار مرتفعة في ظل المنافسة المتزايدة مع المشترين الآسيويين على الشحنات المتاحة.
ووفقاً لتقديرات معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي، فإن تعويض النقص الحالي في المخزونات عبر واردات إضافية سيكلف أوروبا نحو 3 مليارات يورو، أي ما يعادل 3.4 مليار دولار.
وتزيد هذه التكلفة بنسبة 12% على تكلفة استيراد الكمية نفسها خلال العام الماضي، نتيجة ارتفاع الأسعار المرتبط بالصراع في الشرق الأوسط واضطراب إمدادات الطاقة العالمية.
ومن المتوقع أن تزداد التحديات مع دخول الحظر الكامل الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي على تدفقات الغاز الروسي حيز التنفيذ مطلع العام المقبل، ما سيقلص الخيارات المتاحة لتأمين الإمدادات.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في تقليص الطلب على الغاز للحفاظ على مستويات التخزين وتجنب استنزاف الاحتياطيات خلال الشتاء. وبحسب معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي، سيحتاج الاتحاد الأوروبي إلى خفض استهلاك الغاز بنحو 7% مقارنة بالعام الماضي لحماية مخزوناته الاستراتيجية من التراجع الحاد.
غير أن تنفيذ هذا الخيار يبدو أكثر صعوبة مقارنة بأزمة الطاقة التي شهدتها أوروبا في عام 2022، عندما أدت الأسعار المرتفعة إلى تراجع كبير في استهلاك القطاع الصناعي.
ولم يتعافَ جزء من هذا الطلب الصناعي حتى الآن، ما يعني أن قدرة القارة على تحقيق تخفيضات إضافية في الاستهلاك أصبحت أكثر محدودية، من دون التأثير في النشاط الاقتصادي.
ويعكس ذلك تحولاً في طبيعة أزمة الطاقة الأوروبية، إذ لم تعد إجراءات ترشيد الاستهلاك توفر المرونة نفسها التي كانت متاحة خلال السنوات الماضية.
وتبقى درجات الحرارة العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار سوق الغاز الأوروبية خلال الأشهر المقبلة. فقد ساعد الطقس المعتدل نسبياً منذ بداية أكتوبر، مع توقعات باستمراره خلال معظم الشهر، على تخفيف الضغوط على الطلب ومنح الدول الأوروبية وقتاً إضافياً لتأمين الإمدادات.
لكن بعض المحللين يحذرون من احتمال تعرض القارة لموجات برد قوية في مراحل لاحقة من الشتاء، ما قد يؤدي إلى تسارع سحب الغاز من مرافق التخزين.
ووفقاً لتقديرات الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الغاز، قد تتراجع المخزونات إلى 11% فقط من السعة الإجمالية بحلول نهاية مارس المقبل، إذا شهدت أوروبا طقساً بارداً على نحو غير معتاد.
ومن شأن هذا السيناريو أن يزيد صعوبة إعادة ملء مرافق التخزين خلال صيف 2027، ويضع ضغوطاً إضافية على الأسعار مع سعي الدول الأوروبية إلى شراء كميات أكبر من الغاز استعداداً للشتاء التالي.
وتكشف الأزمة الحالية عن هشاشة متزايدة في منظومة إمدادات الطاقة الأوروبية، بعدما أصبحت القارة تعتمد بصورة أكبر على الغاز المخزن لتغطية احتياجاتها الشتوية.
فخلال الشتاء الماضي، غطت المخزونات نحو 30% من إجمالي الطلب الأوروبي على الغاز، وفقاً لمعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي. واعتبر المعهد أن هذا الاعتماد المتزايد تحول إلى عبء مالي، نظراً إلى التكاليف المرتفعة اللازمة لتعبئة المخزونات والمحافظة على مستويات آمنة منها.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع استمرار المنافسة العالمية على شحنات الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً بين أوروبا وآسيا، في ظل محدودية الإمدادات المتاحة وتأثير الحرب مع إيران في الأسواق.
ورغم أن أوروبا لا تواجه سيناريو نفاد الغاز بالكامل، فإن انخفاض المخزونات يجعلها أقل استعداداً للتعامل مع أي ارتفاع مفاجئ في الطلب.
وبحسب «بلومبرغ»، قد تجد الدول الأوروبية نفسها مضطرة إلى الإبقاء على أسعار الغاز عند مستويات مرتفعة لجذب المزيد من الشحنات العالمية، أو القبول بتراجع أكبر في الاستهلاك.
وفي الحالتين، تبدو تكلفة تأمين الطاقة خلال الشتاء المقبل مرتفعة، سواء بالنسبة إلى الحكومات والشركات أو المستهلكين، مع استمرار المخاطر المرتبطة بالطقس والتوترات الجيوسياسية ونقص الإمدادات العالمية.