توقعات برفع أسعار الفائدة أكثر من مرة

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحول إلى صمام يتحكم في مسار الاقتصاد العالمي، فمع كل تصعيد عسكري أو تهديد بإغلاقه، تقفز أسعار النفط، وتتجدد موجات التضخم، وتتغير توقعات أسعار الفائدة، بينما تعيد الأسواق المالية حول العالم تسعير المخاطر في غضون ساعات.
على الرغم من أن الاتفاق المؤقت كان يهدف إلى معاودة فتح المضيق، الذي كان ينقل عبره خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل الحرب، فقد سعت إيران إلى إنشاء نظام دائم لتحصيل الرسوم، وحذرت السفن من الإبحار دون تصريح منها.
وظل المضيق الحيوي نقطة خلاف بين الولايات المتحدة وطهران، فواشنطن منحت طهران حق بيع النفط لمدة 60 يوماً، وطهران وافقت على عبور السفن من المضيق دون رسوم لمدة 60 يوماً.
بين رغبة طهران في تحصيل رسوم على عبور المضيق، ورفض واشنطن أن يكون المضيق الدولي خاضعاً لسيادة أو تحكم من أحد، يقف برميل النفط، ومعه التضخم العالمي، وتوجهات البنوك المركزية، والسياسة النقدية، على أهبة الاستعداد في مشهد نادر الحدوث.
تبادلت القوات الأميركية والإيرانية هجمات مكثفة بصواريخ وطائرات مسيرة يوم الأحد، استهدفت إيران خلالها منشآت أميركية في دول عدة بالمنطقة، كما أعلنت مجدداً إغلاق مضيق هرمز الحيوي.
وتلقي هذه الموجة المتجددة من العنف بظلال من الشك على مستقبل الاتفاق الأميركي الإيراني المؤقت، الذي وقعه البلدان الشهر الماضي، والذي كان يهدف إلى معاودة فتح المضيق وإنهاء الحرب بعد مفاوضات إضافية على مدى 60 يوماً.
كما أدت الحرب التي بدأت في 28 فبراير إلى زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي، في حين رفع الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز أسعار الطاقة؛ ما زاد من حدة التضخم العالمي، وأعاد المخاوف من شبح الركود التضخمي.
كذلك كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحات يعتبر فيها أن وقف إطلاق النار انتهى، لكنه يُبقي الباب مفتوحاً أمام المزيد من المفاوضات، بعد أن قال إن إيران تسعى إلى إعادة فتح المفاوضات، وإنه وافق بالفعل في نهاية الأسبوع الماضي.
أعلنت إيران، في وقت متأخر من مساء أمس السبت، إغلاق المضيق بعد إطلاقها طلقة تحذيرية أصابت سفينة تسلك مساراً غير مصرح به، وقالت اليوم إنها أوقفت تقدم سفينة ثانية.
وأعلنت «هيئة إدارة المضيق»، التي أنشأتها إيران في الآونة الأخيرة، اليوم، أن المرور عبره غير ممكن حالياً بسبب ما وصفته بالتحركات غير القانونية الأخيرة للقوات العسكرية الأميركية في المنطقة، وأضافت الهيئة أن إصدار التصاريح سيستأنف فور استعادة الاستقرار والهدوء.
في المقابل، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها متمركزة لحماية حرية الملاحة، رغم ما وصفته بالعدوان والمضايقات والتهديدات والتصريحات التعسفية من إيران، مؤكدة أن إيران لا تسيطر على المضيق، وأن حركة الملاحة مستمرة.
كما أكد مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي تقوده البحرية الأميركية، أن الطريق الجنوبي الموسع قرب عُمان متاح لحركة الملاحة في كلا الاتجاهين، رغم وجود تهديد أمني خطير.
بعد اتفاق السلام في 17 يونيو، بأقل من أسبوع، قالت إيران إن لها الحق في إدارة حركة المرور بالتعاون مع سلطنة عُمان، التي تقع على الجانب الآخر من الممر المائي الاستراتيجي، وإنها ستفرض رسوماً على العبور في منتصف أغسطس، عندما تنتهي فترة الستين يوماً.
وقال كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، للتلفزيون الحكومي حينذاك: «السيادة على مضيق هرمز تعود إلى إيران وعُمان، وتخضع حركة المرور في المضيق للترتيبات التي تحددها طهران».
في المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونائبه جيه دي فانس، إن إيران ستُمنع من فرض رسوم على عبور الممر المائي الدولي، مشيرين إلى أنه لن ينتهي الأمر إلى تحصيل الإيرانيين رسوماً من السفن التي تمر عبر مضيق هرمز.
مع تجدد التصعيد، ارتفع سعر برميل خام برنت من مستويات قرب 72 دولاراً، التي نزل إليها بعد اتفاق السلام بأقل من أسبوع، إلى مستويات قرب 80 دولاراً اليوم الاثنين.
هوى سعر خام برنت نحو 45 دولاراً للبرميل في الربع الثاني من هذا العام، في أكبر خسارة فصلية له منذ عام 2008 خلال الأزمة المالية العالمية.
وانخفضت العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي بنحو 31 دولاراً، في أكبر خسارة ربع سنوية لها منذ عام 2020، مع انحسار مخاوف الحرب التي اشتعلت في 28 فبراير الماضي.
كذلك جاءت هذه الانخفاضات في أعقاب التقدم المحرز نحو إنهاء الصراع في الشرق الأوسط؛ ما أدى إلى تراجع المكاسب الحادة التي أثارتها الأعمال القتالية في وقت سابق.
في ذروة الحرب، قفز سعر برميل النفط إلى مستويات قرب 120 دولاراً، إلا أنه قلص مكاسبه إلى مستويات قرب 110 دولارات، ثم إلى مستويات قرب 100 دولار، التي ظل يحوم بالقرب منها أكثر من شهر تقريباً، وحتى تتضح وجهة الصراع، سيظل مضيق هرمز البوصلة التي تحدد اتجاه النفط، التضخم، الفائدة، وربما الاقتصاد العالمي بأكمله.
دخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» على خط الأزمة، مع إعادة المتداولين تقييم معادلة الحرب، التي عادت إلى صدارة المشهد مع تجدد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران؛ ما يهدد استمرار اتفاق السلام، وذلك بعد الكشف عن محضر آخر اجتماعاته.
كانت حرب إيران فرضت معادلة جديدة على الأسواق قبل التوصل إلى اتفاق سلام مبدئي؛ إذ أدت إلى ارتفاع أسعار النفط مع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو ما أجج مخاوف التضخم، وانعكس على توقعات السياسة النقدية لتتحول من الخفض، قبل اندلاع الحرب، إلى توقعات برفع أسعار الفائدة حالياً.
وأشار مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، المنقسمون، في اجتماعهم الأخير إلى أنهم سيعالجون التضخم المستمر هذا العام برفع سعر الفائدة مرة واحدة، إلا أن التاريخ يشير إلى أن صناع السياسات سيجدون صعوبة في الاكتفاء بذلك، بحسب محللين.
في سوق الفائدة، رفع بنك «أوف أميركا» مؤخراً توقعاته لأسعار الفائدة، قائلاً إنه يرى الآن أن البنك المركزي سيضطر إلى الموافقة على ثلاث زيادات بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية هذا العام.
وقال الخبير الاقتصادي في بنك «أوف أميركا»، أديتيا بهافي، في مذكرة: «لقد كنا متشككين في الحاجة إلى إجراء تخفيضات في عام 2025». ويؤدي الخفض إلى إنعاش النمو الاقتصادي، في حين يقود الرفع إلى تقويض معدلات النمو، وربما إلى ركود تضخمي إذا طالت المدة.
كما قال الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، جيم بولارد، في بيان: «يتحدث الكثيرون عن رفع سعر الفائدة مرة واحدة، لكن اللجنة لا تفعل ذلك عادة، ولن يفيد ذلك. عادة ما يعني ذلك بدء دورة تشديد نقدي، وأعتقد أن الأسواق تحاول استشعار ذلك الآن».
ويعتقد بولارد أن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى التحرك قريباً، وقال: «إذا انتظرتم حتى ما بعد الانتخابات، فقد تضطرون إلى بذل المزيد من الجهد، وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يواجه اللجنة، وحينها سنضطر إلى بذل جهد كبير للسيطرة على التضخم».