الذهب لم يستفد من تراجعات النفط
السوق يترقب بيانات أميركية مهمة

سقط الذهب إلى أدنى مستوى في أكثر من 5 أسابيع، وعاد للارتفاع اليوم، في إشارة إلى أن المعدن النفيس، الذي كان ملاذاً آمناً في فترة ليست بعيدة، بات أسيراً لعناوين الأخبار والجغرافيا السياسية، وما يحدث الآن قد لا يكون مجرد ضعف في الذهب، بل إعادة تعريف لدوره في السوق.
في معادلة الحرب الجديدة، بات برميل النفط المحرك الرئيسي للملاذات الآمنة، فعندما قفز النفط أمس وهوت أسعار الذهب وارتفع الدولار، وفي صورة مغايرة اليوم، انخفض النفط فارتفع الذهب وهبط الدولار.
تبدو الرسالة التي يسعرها السوق الآن واضحة: راقب برميل النفط، فكلما ازداد قوة وارتفاعاً، فقد الذهب بريقه، ومعه تتراجع الأسهم ويرتفع الدولار، في حين تظل العملات المشفرة حالة استثنائية، لأن النفط لم يعد مجرد سلعة، بل أصبح المؤشر الأسرع على التضخم المقبل، ما يعيد تسعير الفائدة فوراً، قبل أن يتحرك الذهب.
والسؤال الأهم الآن لم يعد: متى يرتفع الذهب أو إلى أي مدى قد تسقط الأونصة؟، بل يتعلق بسردية تاريخية بشأن علاقة الملاذ الآمن التقليدي بالحروب والتوترات، والتي يبدو أنه لم يعد لها وجود في هذا السياق.
ارتفعت أسعار الذهب اليوم الثلاثاء بعد أن انتعشت من أدنى مستوى لها في أكثر من شهر خلال الجلسة السابقة، غير أن المكاسب كانت محدودة بسبب ارتفاع أسعار النفط، الذي أبقى مخاوف التضخم قائمة وألقى بظلاله على توقعات أسعار الفائدة الأميركية.
على المدى القصير، يبدو الذهب رهينة لتحركات النفط، لكن على المدى الأطول، تبقى العلاقة مع الفائدة المحدد الأعمق لمساره.
قال رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في «تيستي لايف» إيليا سبيفاك: «الأسعار تستقر قليلاً في ما يبدو بعد أن تسببت عودة تداول الحرب عبر الأسواق في انخفاض الذهب أمس الاثنين».
رغم انخفاض النفط، جاءت المكاسب محدودة، وقال سبيفاك في مذكرة للعملاء: «ارتفعت عوائد السندات والدولار مع ارتفاع أسعار النفط الخام، الذي أثار مخاوف من التضخم، وأثر ذلك سلباً على الذهب، الذي لا يدر عائداً ويعد ملاذاً آمناً من العملات الورقية».
غير أن هذه المعادلة قد تنقلب سريعاً إذا تراجع النفط أو هدأت توقعات التضخم، ما قد يعيد الذهب إلى دوره التقليدي كملاذ آمن.
كما ارتفع الدولار أمس، وحام سعر خام برنت فوق 143 دولاراً للبرميل، في الوقت الذي واصلت فيه الولايات المتحدة وإيران العمل من أجل التوصل إلى هدنة، بينما تبادلتا الضربات عبر مضيق هرمز.
وينتظر المستثمرون الآن سلسلة من البيانات الأميركية الرئيسية الأسبوع الجاري، منها الوظائف الشاغرة وتقرير التوظيف الصادر عن مؤسسة «إيه دي بي»، إضافة إلى تقرير الوظائف لشهر إبريل.
يؤدي ارتفاع العملة الأميركية إلى زيادة تكلفة المعادن المسعرة بالدولار لحائزي العملات الأخرى، كما تضغط توقعات رفع الفائدة أو السياسة النقدية المتشددة على المعدن الأصفر.
في الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط الخام إلى تأجيج التضخم، ما يزيد احتمال رفع أسعار الفائدة. وفي حين يعد الذهب وسيلة للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل الأصول التي تدر عائداً أكثر جاذبية، ما يضعف الإقبال عليه.
وشنت الولايات المتحدة وإيران هجمات جديدة أمس الاثنين في صراعهما على السيطرة على مضيق هرمز عبر الحصار البحري، ما هز الهدنة الهشة.
قال المدير العالمي لأبحاث السلع لدى «تي دي سيكيوريتيز» بارت ميليك: «من الواضح أن الأخبار الأحدث لم تمنح السوق الثقة في أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأثارت مرة أخرى شبح قضايا التضخم، إلى جانب إشارات تميل إلى التشديد النقدي إلى حد ما».
وقال كبير محللي السوق في شركة «كيه سي إم تريد» تيم ووتر: «ما زال الذهب يشعر بالآثار المتبقية لرسائل الاحتياطي الفيدرالي المتشددة التي صدرت الأسبوع الماضي، ولا سيما الأصوات المعارضة البارزة التي تعارض المزيد من التيسير النقدي».
كما أضاف ووتر: «نتوقع أن تتداول أسعار الذهب في نطاق يتراوح بين 4400 و5500 دولار بحلول نهاية العام، إذ يتطلب الوصول إلى الحد الأعلى انخفاضاً مستداماً في التوترات في الشرق الأوسط وتخفيفاً لضغوط التضخم، في حين ستبقى أسعار النفط المرتفعة باستمرار المعدن في النصف الأدنى من النطاق».
يستبعد المتعاملون الآن إلى حد بعيد خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» أسعار الفائدة هذا العام، إذ تتوقع الأسواق حالياً احتمالاً بـ37% لرفع أسعار الفائدة بحلول مارس 2027، مقارنة مع 27% كانوا يتوقعون خفضها قبل أسبوع.
وقال مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي، الذين عارضوا بيان السياسة الأسبوع الماضي، إن صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الإيرانية تعني أن البنك المركزي الأميركي يجب أن يكون أكثر حذراً، إذ لم يعد بإمكانه الميل نحو خفض أسعار الفائدة، مع احتمال ارتفاع تكاليف الاقتراض في المستقبل.
وقد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تشجيع البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما سيضغط على الأصول غير المدرة للدخل مثل الذهب، إذ يتجه المستثمرون إلى بدائل مثل عوائد سندات الخزانة التي توفر عائداً أفضل، وفي سوق تقوده سرعة تسعير التضخم لا عمق المخاطر، قد لا يكون السؤال أين يتجه الذهب؟… بل ما إذا كان لا يزال يلعب الدور نفسه أصلاً؟.