العقود الآجلة ترتفع قليلاً بعد تراجعات واسعة
السوق يتعامل مع الجغرافيا السياسية والصدمات

لا تتحرك الأسهم وفق ما يحدث في الشرق الأوسط، بل وفق ما تختار أن تراه منه تحديداً، إذ ارتفعت العقود الأميركية الآجلة قليلاً في «وول ستريت»، في حين تراجعت الأسواق الرئيسية التي فتحت اليوم في آسيا، مع عطلة طويلة في الصين واليابان.
تأتي حركة الأسهم وسط حالة من عدم اليقين بشأن تقييم تداعيات مشروع الحرية الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتحذير فريد من نوعه من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
في ظاهرة نادراً ما تحدث، أشار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» جيروم باول إلى أن تقييم الأسهم ربما يكون مبالغاً فيه نسبياً، بعد أن أغلقت مؤشرات وول ستريت «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» أكثر من مرة عند مستويات قياسية، في تجاهل للتوترات الجيوسياسية في العالم.
رغم التصعيد في التوترات في الشرق الأوسط وخسائر أمس الاثنين، فلا يزال دان سكيلي رئيس قسم أبحاث السوق والإستراتيجية في «مورغان ستانلي» لإدارة الثروات يرى سبباً للبقاء متفائلاً.
قال سكيلي: «شهدنا هذا النمط من قبل، في أبريل من العام الماضي، بالتزامن مع يوم التحرير، كان انخفاضاً حاداً في الأسعار، تلاه انتعاش كبير».
وأضاف: «أما الآن، ومع الحرب في الشرق الأوسط، يبدو أن السوق يتعامل مع الجغرافيا السياسية وبعض الصدمات السياسية الداخلية وكأنها إعلانات منبثقة ضمن سردية طويلة ومتشعبة تتمحور حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد والأرباح القوية».
كما قال في مذكرة للعملاء: «نشرت الشركات تقارير أرباح قوية حتى الآن؛ ما يعزز ارتفاع الأسهم والأسواق إجمالاً».
في منشور على موقع «تروث سوشال»، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن «مشروع الحرية»، الذي قال إنه يتضمن مساعدة الولايات المتحدة في تحرير سفن الشحن التابعة لدول غير متورطة في صراع الشرق الأوسط، والتي تقطعت بها السبل بسبب إغلاق مضيق هرمز.
وكتب ترامب: «سنبذل قصارى جهدنا لإخراج السفن والطواقم من المضيق بسلام».
وأضاف: «في جميع الأحوال، أكدوا أنهم لن يعودوا حتى تصبح المنطقة آمنة للملاحة ولجميع الأنشطة الأخرى».
في المقابل، ردت إيران بهجمات صاروخية جديدة على سفن حاولت عبور المضيق، وكذلك استهدفت موانئ رئيسية في المنطقة، رغم عبور ناقلة تابعة لشركة «ميرسك» تحمل العلم الأميركي.
باول لم يحذر من الهبوط… بل من الهشاشة. إذ لم يتنبأ بانهيار في سوق الأسهم، ولم يخبر المستثمرين بالبيع، وهو ما يطرح سؤالاً: هل السوق قوي… أو فقط متجاهل؟
كانت فكرة رئيس «الفيدرالي» الأميركي أكثر دقة: الأسهم الأميركية مرتفعة التقييم بحسب مقاييس شائعة عدة، والأسواق المرتفعة القيمة تملك هامش خطأ أقل عندما يخيب التضخم أو أسعار النفط أو أسعار الفائدة أو الأرباح التوقعات.
إلى ذلك يرى محللون أن تعليق باول حول التقييم يكتسب أهمية أكبر في 2026؛ لأن الخلفية الاقتصادية الكلية أصبحت أقل ملاءمة للأسهم. وقال محللو «أي إن جي بنك»: «الخلاصة العملية: تعليق باول ليس إشارة للبيع، بل إشارة لإدارة المخاطر».
قال المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنفراستركتشر كابيتال أدفايزرز» جاي هاتفيلد: «لا نتوقع حلاً سريعاً للحرب. لا نعتقد أن إيران ستدرك فجأة خطورة الوضع وتتخلى عن قدراتها النووية، ولذلك من المرجح أن يتم ذلك بالقوة، وهذا لن يلقى استحساناً في السوق».
أضاف: «مع ذلك، أسهم تفاؤل المستثمرين بشأن الوضع في الشرق الأوسط وموسم أرباح الربع الأول القوي في دفع أسعار الأسهم إلى مستويات قياسية جديدة في الأيام الأخيرة».
تابع هاتفيلد في مذكرة للعملاء: «حتى في حال عدم حسم الحرب، نتوقع أن يصل مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) إلى 8000 نقطة بنهاية العام».
أغلقت «وول ستريت» على انخفاض أمس الاثنين، وتراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عن مستوياته القياسية المرتفعة بعد تعرض سفينة كورية جنوبية لانفجار في مضيق هرمز، وإظهار إيران محاولتها السيطرة على حركة إمدادات النفط من الشرق الأوسط؛ ما بدد التفاؤل بشأن قوة نتائج الشركات في الربع الأول.
هاتفيلد أوضح: «ارتفعت أسهم شركات الطاقة بعد أنباء أحدث المواجهات القتالية في منطقة الخليج، لكن يبدو أن الانفجار الذي وقع على متن سفينة تجارية كورية جنوبية ربما يقنع شركات الشحن التجارية بأن المضيق لا يزال غير آمن، حتى بعد أن قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن البحرية الأميركية ستفتحه».
أما محلل الاستثمار لدى «بيرد برايفت ويلث مانجمنت» روس مايفيلد فقال: «مع بلوغ السوق مستويات قياسية مرتفعة، لم يعد يوجد مجال كبير للخطأ، ويبدو أن المخاطر الكبيرة غير المتكافئة لا تزال تميل إلى الاتجاه النزولي، حتى لو لم تكن العودة إلى حرب مستعرة هي النتيجة الأكثر احتمالاً».
فقد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» أمس 28.37 نقطة، أو 0.41%، إلى 7200.75 نقطة، وارتفعت العقود الآجلة اليوم 0.17%، بحلول الساعة الـ4:30 بتوقيت غرينتش.
وخسر مؤشر «ناسداك» المجمع عند الإغلاق أمس 43.78 نقطة، أو 0.19%، ليغلق عند 25067.67 نقطة، كما زادت العقود الآجلة للمؤشر اليوم 0.26%.
كما انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي أمس 549.79 نقطة، أو 1.13%، إلى 48941.86 نقطة، وصعدت العقود الآجلة اليوم 0.14%.
تراجعت الأسهم الأوروبية أمس مع استمرار الأعمال القتالية في الشرق الأوسط دون أي بوادر على التهدئة، وارتفاع أسعار النفط الخام، في الوقت الذي يواجه فيه المستثمرون احتمالات قيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة بضع مرات هذا العام.
وأغلق مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي منخفضاً 1% عند 605.51 نقطة، مسجلاً أكبر انخفاض يومي له في نحو شهر، وانخفضت معظم القطاعات في المؤشر.
قال كبير خبراء البحوث الاستراتيجية لدى «بيبرستون» مايكل براون: «السوق الأوروبي أكثر عرضة بكثير من الاقتصاد الأميركي لتأثير ارتفاع أسعار السلع الأولية؛ ما يفرض قدراً كبيراً من الضغط ويدفع المستثمرين إلى التريث قليلاً».
كذلك تشير بيانات «مجموعة بورصات لندن» إلى أن المتعاملين يتوقعون الآن أن يقْدِم البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة 3 مرات على الأقل بمقدار 25 نقطة أساس، وفي سوق يتجاهل المخاطر ويراهن على السرديات، لا تكون المشكلة في ما يحدث… بل في ما يرفض المستثمرون تصديقه.