توقعات بمزيد من التدخل في سوق الصرف
اليابان: المضاربات لا تزال واضحة على الين

جلسة واحدة كانت كافية لقلب ميزان السوق، من قاع قرب 160 ينا للدولار إلى ارتداد سريع أربك حسابات سوق الصرف، إذ يقف الين الياباني في قلب معركة مفتوحة مع الدولار، معركة لم تعد مالية فقط، بل امتدادا مباشرا لاضطراب الطاقة والسياسة والحرب.
لم تكن تلك المرة الأولى التي تتدخل فيها اليابان لإنقاذ عملتها في السنوات القليلة الماضية، إذ تدخلت خلال العام 2024 مرتين في مايو ويوليو، وضخت خلالها نحو 120 مليار دولار تقريباً، أسفرت عن ارتفاع حاد للين مقابل الدولار.
السؤال الآن لم يعد: هل يرتفع الين مقابل الدولار؟ بل كم ستنفق اليابان لدعم عملتها للوصول إلى مستويات مقبولة وفق حسابات المسؤولين، في ظل معادلة أكثر تعقيداً من ذي قبل، بعد التدخل الثالث من نوعه خلال السنوات الأربع الماضية.
في سيناريو 2024 عندما تدخلت اليابان، كان السبب الرئيسي هو مسار أسعار الفائدة وبيانات التوظيف الصادمة في الولايات المتحدة، التي بددت توقعات خفض الفائدة حينذاك.
في تلك المرة، غيرت الحرب المعادلة مع تصدر أسعار النفط المشهد، في الوقت الذي تستورد فيه اليابان 90% من احتياجاتها من الطاقة من الشرق الأوسط الذي يعاني من حرب إيران.
أدت الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي إلى إغلاق الملاحة في مضيق هرمز، المسؤول عن عبور 20% من إمدادات الطاقة في العالم، وارتفعت أسعار النفط أكثر من 80% فوق مستويات 120 دولاراً.
تقود أسعار النفط المرتفعة معدلات التضخم إلى الصعود، ما يؤجج توقعات رفع الفائدة، لكن تلك الأطروحة تختلف في اليابان التي تعاني من تباطؤ اقتصادي يكبل حركة صانعي السياسة النقدية.
رفض مسؤولون في طوكيو تأكيد ما إذا كانوا قد تدخلوا في السوق، لكن تقارير محلية أفادت بأن السلطات نفذت بالفعل عمليات شراء للين للمرة الأولى منذ عامين.
قالت رئيسة قسم أبحاث العملات الأجنبية لدى بنك «إيه.إن.زد» مهجابين زمان: «سينصب التركيز الأساسي على ما إذا كان سيحدث تدخل آخر، مع ملاحظة أن السوق اليابانية مغلقة بسبب عطلة الأسبوع الذهبي، وأن السيولة ستكون أضعف خلال هذه الفترة».
وأضافت: «الأهم من ذلك، ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنضم إلى جهود اليابان لدعم الين، وإذا ضعف الين أكثر، يمكن القول إن احتمال التدخل الثنائي سيزداد».
وظلت الأسواق في حالة ترقب بعدما قال كبير مسؤولي شؤون النقد الياباني أتسوشي ميمورا إن المضاربات لا تزال واضحة، مما يؤكد قلق السلطات إزاء تحركات الين السريعة.
ظلت الأسواق حذرة اليوم، بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ستبدأ صباح اليوم الاثنين جهوداً لتحرير السفن العالقة في مضيق هرمز، لمساعدة الدول المحايدة.
ظلت العملة اليابانية تحت ضغوط بسبب فجوة واسعة بين أسعار الفائدة في الولايات المتحدة واليابان، وفاقم ارتفاع أسعار النفط بسبب حرب إيران من الضغط على الين، إذ ساهم في تقوية الدولار.
واتسمت تحركات باقي العملات بالمحدودية في ظل عطلة الأول من مايو في أغلب أوروبا، ورغم أن اليابان أيضاً في عطلة، فإن ذلك لم يترجم تلقائياً إلى هدوء في التحركات.
وأبقى البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، كما كان متوقعاً، في أعقاب قرارات مماثلة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) وبنك اليابان وبنك كندا.
لكن المركزي الأوروبي وبنك اليابان أشارا إلى الاستعداد لرفع أسعار الفائدة في وقت قريب قد يكون يونيو، لمواجهة تبعات ارتفاع أسعار الطاقة المستوردة.
وفي ظل هذا التشابك بين الفائدة الأميركية، وضغوط الطاقة، واحتمالات التدخل الياباني، لم تعد حركة الين مجرد تقلب في سوق الصرف، بل اختباراً مباشراً لحدود قدرة البنوك المركزية على ضبط سوق تتحرك أسرع من أدواتها، فكل ارتداد قد يبدو انتصاراً مؤقتاً.. لكنه في الحقيقة تأجيل لسؤال أكبر: من يملك السيطرة على الاتجاه القادم؟