النفط يختبر متانة المكاسب
العوائد تضيق هامش الأمان

ارتفعت الأسهم الأوروبية اليوم الثلاثاء رغم بقاء النفط عند مستويات عليا ضاغطة واقتراب عوائد السندات من قمم هي الأعلى في عدة سنوات، فيما حافظت معظم البورصات الكبرى على مكاسب محدودة، متجاهلة تراجعات أسواق آسيا اليوم، وليلة متعثرة قضتها مؤشرات وول ستريت أمس.
وجاء الصعود بينما تحسنت تقديرات الأرباح والنشاط الصناعي، في مقابل ارتفاع تكلفة التمويل وتجدد مخاطر التضخم مع صعود النفط والعوائد في أسواق الدين الأوروبية، وتتوافق أحدث قراءات «غولدمان ساكس» و«يو بي إس» و«بي إن بي باريبا» بشأن قوة الأرباح، لكنها تختلف حول قدرة السوق على تحمل صدمة طاقة وفائدة أطول.
قال بنك «غولدمان ساكس» إن ربحية شركات «ستوكس 600» ارتفعت بنحو 14% في النصف الأول، مع توقع نمو الأرباح 15% خلال 2026 بدعم تحسن الهوامش والنشاط الاقتصادي.
وأشارت كبيرة استراتيجيي الأسهم الأوروبية لدى البنك، شارون بيل، إلى أن تدفقات المستثمرين الأجانب سجلت أقوى مستوياتها منذ 2021 مع اتساع الرغبة في التنويع خارج الولايات المتحدة.
وربط البنك قوة النتائج بقطاعات الطاقة والدفاع والكهرباء والبنية التحتية والتكنولوجيا، وهي محركات أوسع من موجات سابقة اعتمدت على عدد محدود من القطاعات.
قال بنك «بي إن بي باريبا» إن مؤشرات مديري المشتريات تشير إلى نشاط اقتصادي صحي، فيما جاءت نتائج الربع الثاني قوية عبر المناطق الرئيسية مع استمرار تحسن نمو الأرباح.
وأشار البنك إلى أن مؤشر النشاط في منطقة اليورو تحسن في سبتمبر، بينما ارتفعت توقعات أرباح شركات «يورو ستوكس 50» إلى نمو يقارب 15% بعد أداء أقوى من المتوقع بالنصف الأول.
لكن البنك أبقى موقفه من الأسهم الأوروبية عند «محايد»، وحذر من أن ارتفاع أسعار الغاز والطاقة خلال الشتاء قد يضغط سريعاً على هوامش الشركات ونمو الأرباح.
بقي خام برنت قرب 107 دولارات، فيما قالت شركة الاستثمار «سويسكوت» إن ارتفاع الطاقة أعاد توقعات التشديد النقدي إلى صدارة تعاملات المستثمرين مع استمرار مخاطر التضخم العالمية.
وأوضحت كبيرة المحللين لدى الشركة، إيبك أوزكاردسكايا، أن موسم الأرباح المقبل سيحتاج إلى نتائج أقوى لتعويض مخاوف الجغرافيا السياسية وارتفاع تكاليف الاقتراض والطاقة.
وقال «بي إن بي باريبا» إن صدمة الطاقة الحالية ما زالت أقل حدة من أزمة 2022، لكنه أشار إلى أن تجدد صعود النفط والغاز أعاد المخاطر التضخمية إلى الاتجاه الصاعد.
تراجع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بصورة محدودة إلى قرب 3.61%، لكنه بقي قريباً من أعلى مستوياته منذ 2009 بعد موجة بيع واسعة في أسواق الدين.
وقال «باركليز برايفت بنك» إن الاتجاه الأساسي للعوائد المتوسطة والطويلة لا يزال صاعداً، مدفوعاً بزيادة علاوة الأجل وارتفاع الديون ومرونة النشاط الاقتصادي العالمي.
وأشار البنك إلى أن المستويات الحالية تبرر نهجاً أكثر تحفظاً في أسواق الدخل الثابت، مع اتساع المنافسة بين العوائد الحكومية والأسهم على رؤوس أموال المستثمرين.
قال «بنك أوف أميركا» إن صعود أسعار الطاقة يرجح رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة 25 نقطة أساس في ديسمبر، مع بقاء التضخم أعلى من مستهدف البنك البالغ 2%.
وأضاف البنك أن قوة النمو الأوروبي خلال النصف الأول لم تبدد مخاوفه، مشيراً إلى تقلب البيانات وعدم وضوح قدرة النشاط على الاحتفاظ بزخمه إذا استمرت الفائدة مرتفعة.
وأبقى فريق استراتيجية الأسهم الأوروبية لدى البنك بقيادة سيباستيان رايدلر موقفه السلبي تجاه المنطقة، مفضلاً القطاعات الدفاعية على الدورية رغم تفاؤل المستثمرين بالنمو.
ارتفعت أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات اليوم، بينما دعمت توقعات الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي بعض موردي الرقائق والبنية التحتية الرقمية الأوروبية.
وقال «يو بي إس» إن الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي يظل محركاً للأرباح والنشاط العالمي، لكنه أبقى قوة الاقتصاد ونمو الأرباح عاملين أكثر اتساعاً في دعم الأسهم.
ويتوقع البنك نمو أرباح منطقة اليورو بنحو 15% هذا العام والعام المقبل، معتبراً أن ارتفاع الأرباح خفّض التقييمات وجعل الأسهم أقل تعرضاً لهزة سببها العائد وحده.
قال «غولدمان ساكس» إن التدفقات الأجنبية وتحسن الأرباح جعلا أوروبا أكثر جاذبية، بينما أشار إلى أن الدفاع والطاقة والبنية التحتية أصبحت مصادر عائد أكثر أهمية للمؤشرات.
وفي المقابل، يحذر «بنك أوف أميركا» من دورات ازدهار وهبوط مرتبطة بالإنفاق الرأسمالي، معتبراً أن التفاؤل الاقتصادي الحالي لا يلغي مخاطر الفائدة والتقييمات المرتفعة.
أما «بي إن بي باريبا» فيوصي بالانتقائية والتركيز على الشركات ذات المحركات الأساسية القوية بدلاً من التعامل مع صعود أوروبا باعتباره موجة شاملة لكل القطاعات.
تمنح «غولدمان ساكس» الصعود أساساً قائماً على نمو الأرباح واتساع التدفقات والقطاعات، فيما يضيف «يو بي إس» قوة النشاط والربحية كخط دفاع أمام العوائد المرتفعة.
لكن «بنك أوف أميركا» يبقي موقفه سلبياً، بينما يضع «بي إن بي باريبا» أوروبا عند الحياد، مع اعتبار النفط والغاز والفائدة عوامل قادرة على تقليص هامش الأمان سريعاً.
وبحسب هذه القراءات، يعتمد استمرار المكاسب على بقاء الأرباح أقوى من ضغط الطاقة والعوائد؛ وهي المعادلة التي تفصل لدى البنوك بين صعود محسوب وموجة مؤقتة قصيرة العمر.