بنوك عالمية ترى أن التصحيح قادم ولكن لن يكون انهيارا
بنك أوف أميركا يستعد للسقوط الحاد بالسندات الصفرية

زاد الجدل حول أسهم التكنولوجيا، التي باتت صداعاً مزمناً في الأسابيع الأخيرة، بعدما تعرضت لموجة من الانتكاسات التي تفصل بينها جولات من التعافي، إلا أن قوة سقوط الأسهم ما زالت تثير خالة من القلق بشأن انفجار محتمل لفقاعة التكنولوجيا على غرار ما حدث منذ ربع قرن مع انفجار فقاعة الـ«دوت كوم».
جاءت فقاعة الدوت كوم التي ضربت «وول ستريت» عام 2000 بعد حالة من التفاؤل المفرط، حيال مستقبل الشركات التقنية والإنترنت في الولايات المتحدة، والتي شهدت ارتفاعات قياسية في الفترة من 1995 وحتى انهيارها عام 2000.
يرى نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، فيليب جيفرسون، أن موجة الصعود القوية في أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تبدو شبيهة بفقاعة الإنترنت في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
أوضح جيفرسون في كلمة معدة للإلقاء بمؤتمر للاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، أن شركات الذكاء الاصطناعي الحالية أكثر ثباتاً وتولد أرباحاً فعلية، ما يجعل الأساسيات مختلفة تماماً عن تلك التي سبقت انهيار قطاع التكنولوجيا قبل أكثر من عقدين.
إلا أن تصريحات جيفرسون تأتي بعدما أظهر مسح أجراه الفيدرالي مؤخراً أن نحو 30% من المشاركين يعتبرون أي تحول سلبي في المعنويات تجاه الذكاء الاصطناعي يُشكل خطراً جسيماً على النظام المالي الأميركي والاقتصاد العالمي.
لكن جيفرسون أكد أن الحماس الاستثماري الحالي يأتي ضمن بيئة مالية وصفها بأنها سليمة ومتينـة، وهو ما يُقلل من احتمالات تكوين فقاعة مشابهة لما حدث في التسعينيات.
قال جيفرسون إن شركات الذكاء الاصطناعي لم تعتمد حتى الآن على التمويل المكثف بالديون، بخلاف الكثير من شركات التكنولوجيا خلال فقاعة الإنترنت.
كتب خبراء «بلاك روك» (أكبر صندوق يدير أصول في العالم) في مذكرة للعملاء صدرت مطلع الأسبوع: «على عكس الهوس بالمضاربة أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن هناك اختلافات عدة أساسية تقوي موقف قادة قطاع التكنولوجيا اليوم».
وعلى العكس من توسع شركات التكنولوجيا في نهاية القرن الماضي والذي جاء جراء التوسع في القروض، تأتي طفرة الشركات الحالية بفضل توفر الربحية القوية، واستقرار توليد النقد، والميزانيات العمومية، السليمة في المقام الأول، لمواصلة الاستثمار والنمو، بحسب خبراء بلاك روك.
قال خبراء «بلاك روك»: «بينما يتم تداول مؤشر «ستاندرد آند بورز» لتكنولوجيا المعلومات اليوم عند نحو 30 ضعف الأرباح الآجلة وهو مستوى مرتفع بالمعايير التاريخية، إلا أنه أقل بكثير من مضاعف 55 ضعفاً في ذروة حقبة الدوت-كوم».
هناك سمة أخرى مميزة لهذه الدورة يراها خبراء «بلاك روك» وهي كيفية تمويلها، إذ أنه يتم تمويل معظم الاستثمارات الرأسمالية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من خلال الأرباح المحتجزة والنقد المؤسسي بدلاً من الديون.
يقول خبراء «بلاك روك»: «هذا التمويل الذاتي يجعل القطاع أكثر مرونة في مواجهة أسعار الفائدة المرتفعة وأقل عرضة لصدمات السيولة. بالتالي، تستثمر العديد من الشركات من موقع قوة، وليس من موقع مضاربة».
كما يرى خبراء «بلاك روك» أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد اتجاه تكنولوجي، بل هو تحول في البنية التحتية ذو أهمية متزايدة على مستوى الاقتصاد الكلي.
من المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على مراكز البيانات بين 19% و22% سنوياً حتى عام 2030، مدفوعاً بالحاجة المتزايدة للحوسبة عالية الأداء وسعة التخزين.
قال أكثر من 50 % في استطلاع «لبنك أوف أميركا»، لآراء مديري صناديق استثمارية عالمية، يديرون نحو 500 مليار دولار من الأصول، إن أسهم الذكاء الاصطناعي هي بالفعل في فقاعة.
ويرى نحو 45 % أنها أكبر خطر يهدد الأسواق والاقتصاد العالمي، بزيادة من 33 % الشهر الماضي، وأنه يطغى على التهديدات الأخرى مثل التضخم أو أزمة المستهلك الأميركي.
كما تعتقد نسبة 20% من مديري الصناديق العالميين في الاستطلاع أن الشركات تفرط في الاستثمار، في الوقت الذي يتزايد فيه قلق السوق بشأن استدامة طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.
لفت استطلاع «بنك اوف أميركيا» إلى طفرة إنفاق تكنولوجي تعيد تشكيل أسواق الائتمان أيضاً، حيث أصدرت الشركات الأميركية ما قيمته أكثر من 200 مليار دولار من السندات هذا العام لتمويل مشاريعها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
كتب خبير الأسواق لدى «بنك أوف أميركا» مايكل هارتنت محذراً: «الاحتياطي الفيدرالي قد يفاقم أزمة الأسواق، في ظل التقييمات المرتفعة وذروة السيولة والإيمان بمزيد من التيسير قد دفع أصول المخاطرة إلى منطقة تذكر بأواخر عام 2018».
قال هارتنت في مذكرة للمستثمرين: «الأسواق تتداول على «روح فقاعية حادة» مدفوعة بتخفيضات أسعار الفائدة الضخمة خلال العامين الماضيين والاعتقاد بقدوم المزيد في عام 2026».
وكما في ديسمبر 2018، فإن أسرع طريق لاستسلام الفيدرالي هو موجة بيع تقودها البنوك والمتداولون، وبناء على تلك الرؤية يقول هاتنت: «فريقنا متموضع بالفعل لهذه النتيجة، نحن نستثمر في سندات الكوبون الصفري للاستباق لاستسلام الفيدرالي».
في المقابل يرى خبراء «غولدمان ساكس» و«يو بي إس» و«جيه بي مورغان» أن ما يشهده السوق ليس فقاعة مكتملة الملامح، بل دورة توسع طبيعية تقودها طفرة الذكاء الاصطناعي.
اتفق خبراء البنوك الثلاثة في مذكرات بحثية صدرت في الأسبوع الماضي على أنه من المتوقع أن تعبر في مرحلة ما إلى تصحيح تعيد التوازن إلى التقييمات.
في حين يتوقع محللو «بنك باركليز» أن إجمالي الاستثمار المتعلق بالذكاء الاصطناعي من قبل الشركات العملاقة والشركات الأصغر يمكن أن يصل إلى ما يعادل أكثر من 10 % من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بحلول عام 2029.
وفقا لرؤية البنوك الثلاثة، يرى هذا الفريق أن ما يشهده السوق هو «حركة تصحيحية» ضرورية لإزالة «علاوة الضجيج» من أسعار الأسهم، لتتلاقـى القيم السوقية مع الأرباح الحقيقية.
وهذا التصحيح لا يعني نهاية عصر الذكاء الاصطناعي، بل هو مرحلة «هضم للمكاسب» تتسم بالانتقائية، حيث سيعاقب السوق الشركات التي تنفق بلا طائل، ويكافئ التي تمتلك مساراً واضحاً للربحية، ما يعيد السوق إلى مسار النمو المستدام.
بحسب هذه الرؤية، فإن تراجع الأسعار إن حدث سيكون أشبه بإعادة تسعير محسوبة، وليس انهياراً يعيد الأسواق إلى مستويات ما قبل الطفرة، مع الإشارة إلى أن أي تباطؤ أو تصحيح، في نظرهم، محطة ضرورية لتصفية التقييمات المبالغ.