خبراء: انخفاض الأسعار أفقد شريحة من المستثمرين الحماس تجاه الشراء

بينما استعد المستثمرون الأفراد في مصر لجني مكاسب استثنائية جديدة من الاستثمار في الذهب العام الحالي، مدفوعين بالعوائد القياسية التي حققها في 2025، والتي تجاوزت 60%، جاءت الحرب الإيرانية لتفرض واقعاً مختلفاً على السوق، وتثير تساؤلات حول قدرة المعدن الأصفر على الاحتفاظ ببريقه كملاذ استثماري آمن.
ومنذ اندلاع التوترات الجيوسياسية نهاية فبراير الماضي، شهدت أسعار الذهب في مصر تراجعاً ملحوظاً، لتفقد نحو 12%، حيث هبط سعر الغرام (عيار 21) من مستوى 7575 جنيهاً في مارس إلى 6665 جنيهاً في تعاملات أمس الخميس، وفق بيانات رصدتها منصة «آي صاغة» المصرية لتداول الذهب عبر الإنترنت.
ورغم الهبوط السعري للذهب خلال الأشهر الثلاثة الماضية، عكست سلوكات المستهلكين في البلاد حالة من الترقب والحذر تجاه اقتنائه، إذ أظهرت مؤشرات التداول الفترة الماضية تراجعاً ملحوظاً في مستويات الطلب مقارنة ببداية العام، حين كان يعاني السوق من ظهور قوائم انتظار لشراء السبائك والعملات الذهبية بسبب نقص المعروض، وفق خبراء تحدثوا مع «إرم بزنس».
قال المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة» لتداول الذهب عبر الإنترنت، سعيد إمبابي، إن الطلب على الذهب في السوق المصري تأثر سلباً بالتراجعات السعرية المستمرة منذ مارس الماضي.
إمبابي أوضح لـ«إرم بزنس» أن سلوك المشترين في السوق المحلي شهد مفارقة لافتة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إذ تسبب انخفاض الأسعار في فقدان شريحة من المستثمرين الحماس تجاه الشراء بدلاً من تشجيعهم على اقتناص الفرص.
وأضاف: «رصدنا تراجعاً ملحوظاً في الإقبال على السبائك والعملات الذهبية خلال فترات الهبوط، خاصة مع ترقب المستثمرين لاحتمال استمرار انخفاض الأسعار خلال الفترة المقبلة، وهو ما دفع كثيرين إلى تأجيل قرارات الشراء انتظاراً لمستويات سعرية أقل».
من جانبه اعتبر الشريك المؤسس لشركة «غولدن أرينا» أحمد فهيم، أن التراجع الذي شهدته أسعار الذهب منذ اندلاع الحرب الإيرانية لا يعكس هبوطاً حقيقياً في قيمة المعدن الأصفر، بقدر ما يعكس ارتفاعاً قوياً في قيمة الدولار عالمياً نتيجة زيادة الطلب عليه بسبب التوترات الجيوسياسية.
فهيم قال لـ«إرم بزنس» إن الطلب على الذهب في السوق المصري لم يتأثر بشكل جوهري بالتراجعات السعرية المستمرة منذ مارس، مشيراً إلى أن المصريين ما زالوا يعتبرون الذهب أحد أهم أدوات الادخار والتحوط، رغم حالة القلق التي تدفع بعض المتعاملين أحياناً للبيع بخسائر خلال فترات الهبوط.
ورأى أن التوقعات السعرية للذهب حتى نهاية العام لا تزال إيجابية، مرجحاً تحقيق مستويات سعرية مرضية لمختلف فئات المشترين، سواء من اشتروا خلال العام الجاري أم الماضي.
بدوره قال رئيس قسم البحوث بشركة «أسطول القابضة»، مصطفى شفيع، إن التراجعات السعرية التي يشهدها الذهب بين الحين والآخر لا تعني فقدانه لبريقه أو مكانته لدى المستثمرين.
شفيع أوضح لـ«إرم بزنس» أن الذهب يُنظر إليه باعتباره أداة للتحوط وحفظ قيمة المدخرات أكثر من كونه أداة استثمارية تقليدية تستهدف تحقيق عوائد دورية.
واعتبر شفيع أن المعدن الأصفر لا يزال يمثل أحد أبرز الملاذات الآمنة على المستويين المحلي والعالمي، مشيراً إلى أن تحركات الأسعار صعوداً وهبوطاً تعد أمراً طبيعياً في الأسواق، لكنها لا تؤثر على الثقة العميقة لدى شريحة واسعة من المواطنين في الذهب كوسيلة لحماية الأموال.
قال المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة» إن جزءاً من السيولة الخارجة من الشهادات البنكية مرتفعة العائد في مصر (27%) والتي انتهت آجالها في أبريل الماضي، اتجه بالفعل إلى الذهب، ولكن بمعدلات أقل من التوقعات، بسبب مخاوف تراجع الأسعار.
وأضاف إمبابي أن أدوات الدخل الثابت لا تزال تمثل منافساً قوياً لمختلف الأوعية الاستثمارية، نظراً لما توفره من عائد ثابت ومخاطر منخفضة، لكن الذهب يخاطب شريحة مختلفة من المستثمرين، لا يقتصر هدفها على تحقيق عائد فقط، بل تمتد إلى التحوط ضد التضخم وتقلبات الأسواق.
ورأى فهيم أن البنك المركزي المصري نجح هذه المرة في تقليل تأثير استحقاقات الشهادات مرتفعة العائد على الأسواق عبر توزيع مواعيد استحقاقها بشكل تدريجي، وهو ما حدّ من حدوث موجات سيولة مفاجئة كما حدث في فترات سابقة.
من جانبه، قال شفيع إن اتجاه بعض البنوك المصرية الكبرى لرفع عوائد شهادات الادخار، بعد انتهاء آجال الشهادات مرتفعة العائد، لم يحد من الإقبال على الذهب، معتبراً أن طبيعة كل أداة تختلف وفقاً لاحتياجات المستثمر وأهدافه.
شفيع أضاف أن بعض الأفراد يفضلون توجيه مدخراتهم نحو الذهب، خاصة في حالات الحصول على مكافآت نهاية الخدمة أو المعاشات، باعتباره وسيلة لتجميد القيمة والحفاظ عليها على المدى الطويل، بينما يفضل آخرون الأدوات البنكية للحصول على عائد دوري ثابت.
قال فهيم إن ترتيب الأوعية الاستثمارية الأكثر جذباً للمستثمرين الأفراد في مصر بعد الحرب الإيرانية صعب، خاصة أن الأمر يختلف بحسب طبيعة كل مستثمر واحتياجاته.
وأوضح أن أدوات الدخل الثابت تظل الخيار الأول لمن يبحثون عن عائد دوري ثابت، يليها الذهب ثم الأسهم وصناديق الاستثمار، في ظل الأداء القوي الذي تشهده البورصة المصرية حالياً.
واتفق معه إمبابي، والذي قال إنه لا يوجد ترتيب ثابت للأوعية الاستثمارية يناسب جميع المستثمرين، لأن الاختيار يرتبط بطبيعة أهداف كل شخص ومدى تقبله للمخاطر.
وأضاف أن أدوات الدخل الثابت لا تزال الخيار الأول للمستثمر المحافظ، يليها الذهب باعتباره أداة للتحوط وحفظ القيمة وتحقيق نمو في الثروات على المدى الطويل.
وأشار إلى أن العقار يأتي ضمن الخيارات الاستثمارية المهمة، يليه الاستثمار في الأسهم وصناديق الاستثمار بالنسبة للأفراد الباحثين عن عوائد أعلى والقادرين على تحمل مستويات أكبر من المخاطرة.
وأكد إمبابي أن الذهب، رغم موجات التراجع الأخيرة، لا يزال محتفظاً بجاذبيته كملاذ آمن، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية عالمياً وحالة عدم اليقين الاقتصادي التي تدفع المستثمرين للبحث عن أدوات تحفظ قيمة مدخراتهم.
واتفق معهما شفيع، والذي قال إنه لا يمكن ترتيب الأوعية الاستثمارية أو اعتبار أداة بعينها الأفضل بشكل مطلق، إذ يرتبط اختيار الأداة المناسبة بطبيعة كل مستثمر ومدى تقبله للمخاطر واحتياجاته المالية.
وأوضح شفيع أن هناك من يفضل العقار أو الذهب باعتبارهما أكثر أماناً، وآخرين يتجهون إلى البورصة لتحقيق عوائد أعلى مقابل تحمل مخاطر أكبر، فيما يفضل بعضهك صناديق الاستثمار أو الأدوات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.