عبد العال: زيادة الطلب على الدولار وسداد الالتزامات الخارجية يضغطان عل
شفيع: مسار الدولار مرهون بتطورات المنطقة واتجاه الفائدة الأميركية

بينما تشهد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي لمصر نمواً إيجابياً، بقيادة تحويلات العاملين في الخارج خلال الأشهر الماضية، لا تزال الضغوط على الجنيه المصري تتزايد بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، حيث فقدت العملة المحلية 2.5% من قيمتها آخر 30 يوماً، من إجمالي 8.4% خسرتها منذ اندلاع الحرب الإيرانية في نهاية فبراير الماضي.
ويعكس تحرك العملة الخضراء مقابل الجنيه المصري منذ مارس الماضي تداخل عدة عوامل، في مقدمتها التخارج الجزئي لاستثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية بعد قرار الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة 25 نقطة أساس منتصف سبتمبر الماضي، وتحسن مؤشر الدولار الأميركي أمام مختلف العملات، بجانب استمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار النفط، وزيادة فاتورة الواردات والالتزامات الخارجية.
ويثير صعود الدولار تساؤلات بشأن مساره خلال الأشهر المتبقية من 2026، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وترقب اتجاه أسعار الفائدة الأميركية، وما قد تفرضه هذه العوامل من ضغوط إضافية على الجنيه، رغم تحسن تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر.
شهد سعر الدولار في مصر تذبذبات ملحوظة منذ بدء الحرب الإيرانية، حيث ارتفع خلال الشهر الأول من الحرب من 48.8 جنيهاً إلى 54.6 جنيهاً بزيادة تقارب 11.9%، ثم هبط تدريجياً إلى ما دون الـ49 جنيهاً مطلع يوليو الماضي، قبل أن يبدأ رحلة الصعود مرة أخرى ليسجل 52.9 جنيهاً بنهاية تعاملات الثلاثاء، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
ورغم تذبذبات العملة المحلية، شهدت تدفقات مصر من النقد الأجنبي تحسناً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية، حيث أظهر تقرير ميزان المدفوعات للعام المالي الماضي (الفترة من يوليو 2025 إلى يونيو الماضي) الصادر عن البنك المركزي المصري الإثنين الماضي، تطوراً ايجابياً لمختلف المصادر الدولارية.
وفق التقرير، ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 29.6% إلى 47.3 مليار دولار، وزاد صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر إلى نحو 18 مليار دولار بنمو 47.5%، ونمت الإيرادات السياحية بنسبة 10.3% إلى 18.4 مليار دولار، وصعدت الصادرات غير البترولية 7.8% إلى 37.3 مليار دولار، وقفزت إيرادات قناة السويس 21.6% إلى 4.4 مليار دولار.
ويرى الخبير المصرفي محمد عبد العال، أن ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري رغم تحسن تدفقات النقد الأجنبي يرجع إلى زيادة الطلب على العملة الأميركية لتأمين احتياجات الاستيراد، إلى جانب سداد الالتزامات الخارجية وتحويل أرباح المستثمرين الأجانب إلى الخارج، فضلاً عن ارتفاع تكلفة السلع الاستراتيجية عالمياً.
وأضاف عبد العال لـ "إرم بزنس" أن التوترات الجيوسياسية دفعت الشركات والمستوردين إلى زيادة الطلب على العملة بغرض التحوط السعري تحسباً لارتفاع الأسعار أو اضطراب سلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط خلال الأشهر الماضية ساهم بشكل كبير في ارتفاع فاتورة واردات مصر من المنتجات البترولية، وزيادة الطلب على الدولار.
واعتبر الخبير المصرفي أن تحسن التدفقات الأجنبية لا يضمن تراجع الدولار ما دام الطلب على النقد الأجنبي والالتزامات الدولارية يمارسان ضغوطاً على سوق الصرف، في ظل نظام سعر الصرف المرن الذي تتبعه مصر، والذي يحكمه العرض والطلب.
من جانبه، قال أستاذ التمويل والاستثمار مصطفى بدرة، إن زيادة تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر منذ بداية العام الحالي أسهمت في الحد من الضغوط على الجنيه منذ اندلاع الحرب الإيرانية، وعززت قدرة الاقتصاد على مواجهة تداعيات التوترات الجيوسياسية.
وأضاف بدرة لـ"إرم بزنس" أن تحركات الدولار الحالية لا تعكس بالضرورة تراجعاً في المؤشرات الأساسية للاقتصاد المصري، الذي يحقق معدلات نمو إيجابية بالتزامن مع تحسن عدد من مصادر النقد الأجنبي، من بينها السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج والصادرات والاستثمار، إلى جانب إيرادات قناة السويس.
وبجانب العوامل المحلية، ارتبط ارتفاع الدولار في مصر خلال الفترة الماضية بعدة عوامل خارجية، في مقدمتها صعود مؤشر الدولار الأميركي (DXY) إلى نحو 102.3 نقطة، وهو ما يعكس قوة الدولار أمام سلة العملات الرئيسية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد التوقعات بشأن مسار أسعار الفائدة، بحسب ما قاله خبير الاقتصاد وأسواق المال، مصطفى شفيع.
وأوضح شفيع لـ"إرم بزنس" أن قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة في سبتمبر الماضي عزز جاذبية الأصول الأميركية أمام بعض الاستثمارات في الأسواق الناشئة، بما قد يدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة توجيه جزء من استثماراتهم في أدوات الدين المصرية نحو السوق الأميركية، وهو ما يزيد الطلب على الدولار.
واتفق معه بدرة، الذي قال إن رفع الفائدة الأميركية تسبب في تخارج جزء من استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية، المعروفة بالأموال الساخنة، وإعادة توجيهها إلى أدوات الدين الأميركية.
وفي منتصف سبتمبر الماضي رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي إلى نطاق بين 3.75% و4%، فيما أشار 16 من أصل 18 من صناع السياسة النقدية في الفيدرالي إلى أن مجلس الاحتياطي سيحتاج على الأرجح إلى رفع سعر الفائدة مرة أخرى على الأقل قبل نهاية 2026.
ويرى عبد العال أن رفع الفائدة الأميركية مجدداً سيعزز جاذبية الأصول الأميركية بما يزيد احتمالات خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل من أدوات الدين المصرية، وهو ما يضيف ضغوطاً جديدة على الجنيه.
وتُعرف الأموال الساخنة بأنها تدفقات نقدية أجنبية تستهدف الأسواق الناشئة التي توفر عوائد مرتفعة على الاستثمار، خاصة في أدوات الدين مثل أذون الخزانة والسندات، سعياً وراء تحقيق أرباح سريعة، لكنها قد تخرج بالسرعة نفسها عند تغير مستويات الفائدة أو تصاعد المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.
ورغم ما توفره هذه التدفقات من سيولة سريعة قد تساعد في تلبية الاحتياجات التمويلية قصيرة الأجل، فإن سرعة تخارجها تجعلها مصدراً محتملاً للضغط على أسواق الصرف عند تغير اتجاهات المستثمرين.
إلى ذلك، يفتح استمرار التوترات الجيوسياسية وترقب مسار أسعار الفائدة الأميركية الباب أمام سيناريوهات مختلفة لسعر الدولار مقابل الجنيه المصري حتى نهاية العام، بحسب تقديرات الخبراء، الذين يرون أن تصاعد الضغوط قد يدفع الدولار إلى مزيد من الارتفاع، في حين قد يسهم تحسن تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر في الحد من صعوده.
وقال شفيع إن هناك صعوبة في تحديد مسار الدولار مقابل الجنيه المصري حتى نهاية العام الحالي في ظل حالة عدم اليقين الحالية، لكنه رجّح إمكانية بقاء الدولار دون مستوى 53 جنيهاً خلال الأشهر المتبقية من العام.
أما بدرة فرجّح أن يصل الدولار إلى مستوى 55 جنيهاً بنهاية العام إذ تحقق السيناريو الذي اعتبره الأكثر تشاؤماً، والذي يتضمن اتجاه الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً، فيما توقع استقرار السعر عند المستويات الحالية أو تراجعه في حال استقرار الأوضاع الجيوسياسية.
فيما توقع عبد العال استمرار تذبذب الدولار خلال الفترة المقبلة حول مستوياته الحالية بين 52 و53 جنيهاً، مع ارتباط مساره بحجم السيولة الدولارية المتاحة في الجهاز المصرفي، وتطورات الأوضاع الجيوسياسية، وحصيلة الاستثمارات المرتقبة وإيرادات السياحة وقناة السويس.