
تتصاعد المنافسة بين عملاقي المشروبات الغازية الأميركيين «كوكاكولا» و«بيبسي» في إفريقيا، في وقت تنتقل فيه المواجهة تدريجياً من صراع على العلامات التجارية والحصص السوقية إلى سباق للسيطرة على شركات التعبئة والإنتاج والتوزيع، التي باتت تمثل عنصراً حاسماً في تعزيز الحضور داخل أسواق القارة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «جون أفريك» الفرنسية، تحافظ «كوكاكولا» على موقع الصدارة في سوق المشروبات الغازية الإفريقية، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة من «بيبسي»، المدعومة بالتوسع السريع لشريكها الهندي «فارون بيفيرجز».
وبينما تتمتع «كوكاكولا» بحضور في الدول الإفريقية الـ54، تعمل «بيبسي» على تقليص الفجوة من خلال الاستحواذات وزيادة الطاقة الإنتاجية في جنوب وشرق القارة.
وتعود جذور حضور «كوكاكولا» في إفريقيا إلى عام 1928، عندما بدأت عملياتها في جنوب إفريقيا، فيما دخلت «بيبسي» السوق الإفريقية عام 1948 عبر جنوب إفريقيا ومصر.
وتستحوذ «كوكاكولا» على نحو 46.5% من مبيعات المشروبات الغازية في إفريقيا جنوب الصحراء، مقابل 14.7% لـ«بيبسي»، وفق بيانات «يورومونيتور إنترناشونال». وعلى الرغم من الفارق الكبير، تظهر بيانات السنوات الأخيرة تغيراً تدريجياً في موازين القوى.
وأوضح التقرير أنه بين عامي 2020 و2025، تراجعت حصة «كوكاكولا» في السوق الإفريقية بمتوسط 1.1% سنوياً، بينما ارتفعت حصة «بيبسي» بمعدل 6% سنوياً، ما يعكس توسعاً يتجاوز مجرد اقتناص أحجام مبيعات من المنافسة الأميركية.
تتقدم «كوكاكولا» في جميع الأسواق الإفريقية الرئيسية، من جنوب إفريقيا والمغرب إلى نيجيريا وكينيا، وتعتمد على نموذج «نظام كوكاكولا»، الذي تركز فيه الشركة الأم على التسويق والابتكار، بينما تتولى شبكة شركات التعبئة الإنتاج والتوزيع والتسويق.
في المقابل، شهد حضور «بيبسي» توسعاً ملحوظاً منذ استحواذ «بيبسيكو» على مجموعة «بايونير فودز» في جنوب إفريقيا عام 2020، ما عزز وجود المجموعة في جنوب القارة، بالتزامن مع توسعها في شرق إفريقيا.
وتلعب «فارون بيفيرجز» دوراً محورياً في استراتيجية «بيبسي» الإفريقية، باعتبارها أكبر شركة تعبئة لمنتجات «بيبسيكو» عالمياً. حيث تتبنى هذه الشركة الهندية استراتيجية توسع تعتمد على الاستحواذ على شركات تعبئة وعلامات محلية، إلى جانب الاستثمار في منشآت إنتاج جديدة.
ولا تزال مصر السوق الإفريقية الوحيدة التي تتفوق فيها «بيبسي» على «كوكاكولا»، لكن الفجوة تضيق في عدد من الأسواق الأخرى.
ولا تقتصر المنافسة على العملاقين الأميركيين، إذ تواجه «كوكاكولا» في غرب ووسط إفريقيا منافسة قوية من شركات إقليمية ومحلية، أبرزها «كاستل» وعلامتها «وورلد كولا»، إلى جانب «أميريكان كولا» التابعة لـ«مونارك بيفيرجز».
وتظهر الغابون مثالاً على تغير موازين القوى، إذ تتصدر «وورلد كولا» السوق بحصة تبلغ 34.5%، مقابل 11.7% لـ«كوكاكولا»، وفق بيانات «ساغاتشي ريسيرش».
وفي ساحل العاج، تحتفظ «كوكاكولا» بالصدارة بحصة 14%، مقابل 5.2% لـ«وورلد كولا». لكن حصتها في الكاميرون والكونغو، تبلغ 8.2% و14.5% على التوالي، بينما تصل حصة «أميريكان كولا» إلى 5.8% و12.9%.
وتعكس هذه الأرقام طبيعة سوق المشروبات الإفريقية، حيث تواجه العلامات العالمية منافسة من شركات محلية قادرة على الاستفادة من الأسعار والانتشار الجغرافي، في وقت تضغط فيه تكاليف الإنتاج وتراجع القوة الشرائية على هوامش الشركات.
في ظل حرب الحصص هذه، أصبحت شركات التعبئة محور المنافسة بين «كوكاكولا» و«بيبسي»، فامتلاك شبكة إنتاج وتوزيع واسعة يتيح للشركات التحكم بصورة أفضل في الإمدادات والتكاليف والوصول إلى المستهلكين.
وتتحرك «كوكاكولا» لتعزيز منظومتها عبر صفقة استحواذ «كوكاكولا إتش بي سي» على «كوكاكولا بيفيرجز أفريكا»، وهي شركة تعبئة مسؤولة عن نحو 40% من مبيعات «كوكاكولا» في القارة، حيث أعلنت الصفقة في أكتوبر 2025 بقيمة 2.6 مليار دولار.
كما أعلنت منظومة «كوكاكولا» في مارس استثمار مليار دولار في جنوب إفريقيا لزيادة الطاقة الإنتاجية. بينما تكثف «فارون بيفيرجز» توسعها، ففي يونيو 2025، بدأت الشركة إنشاء مصنع في جمهورية الكونغو الديمقراطية باستثمار 50 مليون دولار، ثم استحوذت في مارس على شركتي المشروبات الجنوب إفريقيتين «بيفكو» و«تويزّا» مقابل 125 مليون دولار.
كما أعلنت إنشاء فرع في كينيا لتعزيز حضورها في شرق إفريقيا، وافتتحت مصنعاً جديداً في زيمبابوي بتكلفة 40 مليون دولار.
وتضع هذه التحركات «نظام كوكاكولا» في مواجهة مباشرة مع تحالف «بيبسي-فارون»، في معركة لا تتعلق بالعلامات التجارية فقط، بل بقدرة كل منظومة على تأمين الإمدادات وزيادة الإنتاج وتوسيع التوزيع وطرح منتجات جديدة بوتيرة أسرع.
وبينما تدخل «كوكاكولا» هذه المرحلة من موقع دفاعي نسبياً، فإنها تمتلك أفضلية الحضور التاريخي وشبكة التعبئة الراسخة، فيما تراهن «بيبسي» على سرعة توسع «فارون» وقدرتها على تنفيذ الاستحواذات والاستثمارات.
وأكد التقرير أن المنافسة الإفريقية بين العملاقين قد تُحسم عبر كفاءة منظومتي التعبئة والإنتاج والتوزيع، وليس قوة العلامة التجارية وحدها، مع استمرار نمو الطلب وتغير أنماط الاستهلاك في القارة.