
تتقدم صحار في استراتيجية سلطنة عُمان للتنويع الاقتصادي بوصفها قاعدة تجمع الصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية في منظومة واحدة، مستفيدة من توسع الاستثمارات الإنتاجية حول الميناء وتحول المنطقة الحرة إلى وجهة لمشاريع تمتد من المعادن والبتروكيماويات إلى الطاقة والصناعات التحويلية.
خلال النصف الأول من 2026، ارتفعت مناولة البضائع في ميناء صحار 52% على أساس سنوي إلى 52 مليون طن متري، بالتزامن مع تنفيذ مشاريع وتوسعات في الميناء والمنطقة الحرة بقيمة 2.62 مليار ريال عُماني (نحو 6.8 مليار دولار)، وفق بيانات «ميناء صحار» والمنطقة الحرة.
وتضع هذه التطورات صحار أمام مرحلة مختلفة من النمو، إذ لم تعد القدرة التنافسية للمنطقة مرتبطة بالطاقة الاستيعابية للميناء وحدها، وإنما بحجم النشاط الصناعي الذي يمكن بناؤه حوله، ومدى قدرة هذه الاستثمارات على توسيع سلاسل القيمة المحلية وتحويل الموقع البحري للسلطنة إلى ميزة إنتاجية وتصديرية.
تجاوزت الاستثمارات المتراكمة في «ميناء صحار» والمنطقة الحرة 30 مليار دولار، وفق أحدث قيمة إجمالية معلنة رسمياً، بعد سنوات من استقطاب مشاريع صناعية كثيفة رأس المال، فيما واصلت المنطقة إضافة استثمارات جديدة خلال 2025 و2026.
وبحسب وكالة الأنباء العُمانية، شهدت صحار خلال 2024 دخول مشاريع بأكثر من 4 مليارات دولار، من بينها مصنع للبولي سيليكون بقيمة 1.35 مليار دولار، ومشروع لتزويد السفن بالغاز الطبيعي المسال باستثمار يبلغ 1.6 مليار دولار، إلى جانب مصنع لتركيز خام الحديد بقيمة 600 مليون دولار، هو الأول من نوعه في السلطنة.
وتوسعت الخريطة الصناعية لاحقاً مع افتتاح أول مصفاة للسكر في عُمان باستثمار يتجاوز 150 مليون ريال في ديسمبر 2025، ثم توقيع اتفاقية في مطلع 2026 لإنشاء مجمع لإعادة تدوير مخلفات الزنك وتحويلها إلى مواد تستخدم في الجلفنة والبطاريات والكيماويات المتخصصة.
وتكشف تركيبة هذه المشاريع عن تنوع متزايد في القاعدة الإنتاجية لصحار، إذ تجمع المنطقة صناعات أساسية كثيفة رأس المال مع أنشطة تحويلية تستفيد من المنتجات والمخلفات الصناعية القائمة، وهو عنصر أساسي في بناء تجمع صناعي قادر على إيجاد روابط بين الشركات بدلاً من استضافة مشاريع منفصلة.
يمنح الموقع البحري المباشر هذه القاعدة الصناعية ميزة يصعب فصلها عن قرار الاستثمار نفسه، خصوصاً بالنسبة إلى قطاعات تعتمد على استيراد كميات كبيرة من المواد الخام أو توجيه جزء كبير من إنتاجها إلى الخارج.
وتوضح نتائج النصف الأول من العام الحالي حجم هذه البنية التشغيلية؛ إذ بلغت عمليات نقل البضائع من سفينة إلى أخرى 24.38 مليون طن، وارتفعت حركة الحاويات 40% إلى 545 ألف حاوية نمطية، بينما قاربت البضائع العامة غير المعبأة في حاويات 1.24 مليون طن، واستقبل الميناء 1,555 سفينة، وفق بيانات «ميناء صحار» والمنطقة الحرة.
وبالنسبة إلى الصناعات المعدنية والبتروكيماوية والتحويلية، يقلص القرب من الميناء مراحل نقل المواد الأولية والمنتجات، ويتيح الوصول المباشر إلى خطوط التجارة الدولية، وهو ما يضيف عنصراً لوجستياً إلى تنافسية الاستثمار الصناعي.
وبذلك، تتحول البنية البحرية من خدمة مستقلة إلى جزء من تكلفة الإنتاج وسرعة الوصول إلى الأسواق، وهي معادلة تزداد أهميتها في الصناعات التي تمثل فيها تكاليف النقل والمناولة وزناً مؤثراً في السعر النهائي.
تعزز أحدث بيانات «الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة» موقع صحار ضمن خريطة الاستثمار في السلطنة، إذ استحوذت المنطقة الحرة على 26% من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في المناطق الاقتصادية والحرة والصناعية التابعة للهيئة.
كما سجلت الاستثمارات المضافة في صحار نمواً بنسبة 28% بدعم من اتفاقيات جديدة، في وقت اتجه فيه الجزء الأكبر من رأس المال الجديد على مستوى المناطق التابعة للهيئة إلى النشاط الصناعي.
وبحسب الهيئة، استحوذت الصناعة على نحو 97% من الاستثمارات الجديدة المضافة، بقيمة تقارب 1.39 مليار ريال عُماني، ما يشير إلى تحول في وظيفة المناطق الاقتصادية من مجرد توفير مساحات وحوافز استثمارية إلى استقطاب أصول إنتاجية طويلة الأجل.
ويتقاطع ذلك مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040»، التي تضع تنمية الصناعة وزيادة الصادرات غير النفطية وتعزيز الاستثمار الخاص ضمن ركائز إعادة هيكلة الاقتصاد.
تبرز أهمية النمو الصناعي في صحار بصورة أكبر عند النظر إلى توزيع الاستثمار الأجنبي المباشر في السلطنة.
فبحسب نشرة الأداء الاقتصادي الصادرة عن وزارة الاقتصاد العُمانية في مارس 2026، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر 31.38 مليار ريال بنهاية العام الماضي، إلا أن قطاع استخراج النفط والغاز استحوذ على 80.98% منه، مقابل 8.52% للصناعة التحويلية.
وتجعل هذه التركيبة زيادة قدرة السلطنة على استقطاب رأس المال إلى الصناعة عنصراً أساسياً في مسار التنويع، ليس فقط لتقليص التركّز القطاعي للاستثمارات، وإنما لبناء أنشطة قادرة على توليد صادرات وفرص أعمال مرتبطة بالموردين والخدمات المحلية.