
تدخل الروبوتات سوق خدمات الإعاشة في الإمارات مع بدء تشغيل أنظمة قادرة على إعداد مئات الوجبات يومياً داخل مساحات صغيرة، في تحول يفتح مجالاً لتوسيع الإنتاج الغذائي داخل المصانع والمستشفيات والمكاتب، وإضافة نشاط جديد إلى صناعة تعتمد على عقود طويلة الأجل وملايين الوجبات سنوياً.
وتأتي هذه الخطوة في سوق تشهد توسعاً فعلياً في أعمال شركات الإعاشة، إذ سجلت «أبوظبي الوطنية للفنادق للتموين» إيرادات بلغت 922 مليون درهم خلال النصف الأول من 2026، بنمو 10%، فيما بدأت شركة التكنولوجيا الألمانية «سيركس» (Circus SE) تشغيل أنظمة روبوتية لإعداد الوجبات في أبوظبي، بالتعاون مع شركة الإعاشة الإماراتية «رويال بريستيج»، التي يتجاوز إنتاجها 3 ملايين وجبة سنوياً.
وتفتح هذه التطورات مجالاً لتغيير طريقة توزيع الاستثمارات داخل صناعة الإعاشة، بين المطابخ المركزية التي تتولى تجهيز الطعام وشبكات نقله، ووحدات آلية تنفذ الطهي والتقديم داخل مواقع العملاء، بما يطرح معادلة جديدة لتكلفة الوجبة وهوامش الربح والاستثمار في المعدات والخدمات.
بلغت قيمة سوق خدمات الإعاشة التعاقدية في الإمارات 2.71 مليار دولار خلال 2025، وفق تقديرات «ديب ماركت إنسايتس» (Deep Market Insights)، مع توقعات بوصولها إلى 4.7 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.28%.
وتستحوذ خدمات الشركات والمؤسسات على الحصة الأكبر من السوق، فيما يُتوقع أن يسجل قطاع الرعاية الصحية أسرع نمو خلال السنوات المقبلة، ما يجعل المستشفيات والمرافق الصناعية والمجمعات المكتبية من الأسواق المحتملة لأنظمة الطهي الآلي.
وتعكس بيانات «أبوظبي الوطنية للفنادق للتموين» طبيعة الطلب المؤسسي، إذ ارتفع عدد عقود الشركة إلى 519 عقداً بنهاية يونيو 2026، مقابل 483 عقداً بنهاية 2025، مع معدل احتفاظ بالعقود بلغ 98.9% خلال النصف الأول من العام.
وتقدر الشركة حصتها بنحو 28% من السوق القابلة للاستهداف، وتغطي أنشطتها قطاعات التعليم والرعاية الصحية والدفاع والمنشآت الصناعية والطاقة، وهي قطاعات تتطلب توفير أعداد كبيرة من الوجبات ضمن جداول تشغيل محددة.
وتكتسب هذه القاعدة التعاقدية أهمية في تقييم الروبوتات؛ فوجود طلب منتظم يسمح للشركات بتقدير عدد الوجبات قبل الاستثمار في المعدات، وتوزيع تكاليف التشغيل على مدد تعاقدية أطول. كما يمنح الشركات التي تدير مواقع متعددة فرصة اختبار الوحدات الآلية في منشآت محددة قبل توسيع استخدامها.
يستطيع نظام «سي إيه-1» (CA-1)، الذي بدأت «سيركس» تشغيله تجارياً في أبوظبي خلال سبتمبر 2026، إنتاج نحو 800 وجبة يومياً ضمن مساحة تقارب 7 أمتار مربعة، وفق المواصفات المعلنة للشركة الألمانية.
ويضم النظام أربع محطات للطهي وثماني فتحات لتسليم الطعام، مع إدارة ما يصل إلى 36 حاوية للمكونات المبردة، وفق المواصفات المعلنة لشركة «سيركس». ويستطيع إعداد نحو 800 وجبة يومياً داخل مساحة لا تتجاوز 7 أمتار مربعة، مع نظام ذكي لإدارة المخزون والوصفات ومراقبة الأعطال.
وتبرز القيمة الاقتصادية لهذه المواصفات في إمكانية زيادة الطاقة الإنتاجية داخل المنشآت دون تخصيص مساحات كبيرة لمطابخ إضافية، خصوصاً في المواقع التي ترتفع فيها تكلفة المساحة أو يصعب تعديل بنيتها التشغيلية.
لكن المقارنة مع المطابخ التقليدية لا تتوقف عند مساحة الطهي؛ فإنتاج الوجبات مركزياً يتطلب تجهيزها وتعبئتها ونقلها وحفظها في درجات حرارة مناسبة قبل تقديمها، بينما يسمح الطهي داخل موقع الاستهلاك بإعادة توزيع بعض هذه العمليات.
وقد ينعكس ذلك على تكلفة النقل والمناولة وتوقيت إعداد الطعام، مقابل تكاليف جديدة تشمل تشغيل الوحدات الآلية وصيانتها وتزويدها بالمكونات، ما يجعل حجم الطلب الفعلي العامل الحاسم في تحديد الوفر الممكن.
تظهر ملامح النشاط الاستثماري الجديد في نماذج التأجير المتاحة داخل الإمارات، إذ تقدم شركة «سيركس روبوتيك كيتشن تريدينغ» (CRKT)، ومقرها دبي، عقود تشغيل لمدة 48 شهراً تشمل المعدات والبرمجيات والصيانة والدعم الفني، إلى جانب ترتيبات للمؤسسات التي ترغب في تشغيل عشر وحدات أو أكثر بعقود قد تمتد إلى 60 شهراً.
وتتيح هذه الصيغة لشركات الإعاشة إضافة طاقة إنتاجية دون تحمل تكلفة شراء المعدات كاملة عند بدء التشغيل، مع تحويل جزء من الاستثمار إلى التزامات دورية يمكن ربطها بإيرادات عقود تقديم الطعام.
وتعزز هذا الاتجاه اتفاقية أبرمتها «سيركس» في يناير 2026 مع شركة «إم إم في ليسينغ» (MMV Leasing)، لتوفير حلول تمويل وتأجير لعملائها.
تبرز أهمية التمويل في قطاع تتفاوت فيه أحجام العملاء ومدد العقود؛ إذ تستطيع شركة إعاشة كبيرة توزيع الوحدات على مواقع متعددة، بينما قد تحتاج مؤسسة أصغر إلى وحدة واحدة تتناسب تكلفتها الشهرية مع عدد الوجبات المَبيعة.
ويوفر هذا النموذج مصادر إيرادات لموردي المعدات وشركات التمويل ومقدمي خدمات الصيانة والبرمجيات، لكنه يضيف أيضاً التزامات ثابتة على المشغلين، ما يجعل التوافق بين مدة عقد الإعاشة ومدة تأجير الروبوت عاملاً مهماً في إدارة المخاطر.
تكتسب تجربة أبوظبي بعداً صناعياً مع اعتماد الروبوتات على مكونات غذائية توفرها «رويال بريستيج» عبر سلاسل الإمداد المحلية، إلى جانب خطط لإنتاج وحدات الإمداد المرتبطة بالأنظمة داخل المنطقة، وفق إعلان الشراكة في سبتمبر الماضي.
ويتيح هذا النموذج استمرار المطابخ المركزية في شراء المواد الغذائية وتجهيزها وتعبئتها، مع نقل المرحلة النهائية من الطهي إلى وحدات أصغر بالقرب من المستهلك.
وتتوسع بذلك الأنشطة المرتبطة بصناعة الإعاشة لتشمل إنتاج المكونات المجهزة وفق مواصفات موحدة، والتعبئة والتخزين المبرد والتوزيع المنتظم، إلى جانب تركيب المعدات وإدارة البرمجيات والصيانة.
وتزداد أهمية هذه الأنشطة عند تشغيل عدة وحدات ضمن شبكة واحدة؛ إذ يمكن لمركز تجهيز واحد تزويد مواقع متعددة بالمكونات، بينما تتولى الأنظمة الرقمية متابعة المخزون ومواعيد إعادة التوريد.
وهنا تصبح كفاءة سلسلة الإمداد جزءاً من الجدوى الاقتصادية للروبوتات، لأن تعطل توريد المكونات أو ارتفاع تكلفة تجهيزها قد يقلص الوفورات المتحققة في مرحلة الطهي، حتى مع ارتفاع الطاقة الإنتاجية للمعدات.
توضح دراسة أعدتها شركة الأبحاث الألمانية «إم دبليو بي ريسيرش» (mwb Research) كيف تتغير جدوى المطابخ الروبوتية تبعاً لحجم المبيعات وهوامش الربح، إذ قدرت فترة استرداد الاستثمار بنحو عشرة أشهر عند بيع 220 وجبة يومياً بهامش إجمالي يبلغ 7 يوروهات للوجبة، مقابل نحو عامين عند بيع 210 وجبات بهامش 5 يوروهات.
وتبرز هذه التقديرات، المستندة إلى نموذج مالي أوروبي، أهمية كثافة التشغيل وهوامش الربح في تسريع استرداد تكلفة المعدات، خصوصاً مع إمكانية توزيع الإنتاج على فترات مختلفة من اليوم، بما يناسب احتياجات المستشفيات والمصانع والمجمعات المكتبية.
وتمنح العقود المؤسسية طويلة الأجل في الإمارات شركات الإعاشة فرصة للاستفادة من هذه الأنظمة عبر تشغيلها بمعدلات منتظمة وتوزيع تكلفتها على أعداد كبيرة من الوجبات. وكلما ارتفعت كفاءة التشغيل وتحسنت هوامش الربح، زادت قدرة الشركات على توسيع استخدامها، لتصبح تكلفة إنتاج الوجبة والعائد على الاستثمار العاملين الأساسيين في تحديد مستقبل المطابخ الروبوتية في السوق الإماراتية.