logo
تكنولوجيا

حين يصبح الذكاء الاصطناعي مديراً.. من يدير العلاقة بين الموظف والآلة؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي مديراً.. من يدير العلاقة بين الموظف والآلة؟
%90 من المديرين الأميركيين قالوا إن شركاتهم تستخدم أدوات للإدارة الخوارزمية.المصدر: صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
تاريخ النشر:

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة يستخدمها الموظف لإنجاز مهمة أسرع أو تحليل كمية أكبر من البيانات، بل بدأ يدخل إلى المنطقة التي كانت حكراً على المدير البشري: توزيع المهام، مراقبة الأداء، تقييم الموظفين، جدولة ساعات العمل، وحتى تقديم توصيات تتعلق بالتوظيف وإنهاء الخدمة. ومع اتساع هذا الدور، تظهر مشكلة اقتصادية وإدارية جديدة تتجاوز مسألة فقدان الوظائف، لتصل إلى شكل العلاقة التي ستربط العامل بالآلة داخل الشركات.

وهنا يبرز مفهوم جديد يعرف بـ«علاقات الروبوتات»، في إشارة إلى احتمال ظهور وظائف أو أقسام تتولى إدارة العلاقة بين الموظفين وأنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات، في تحول قد يعيد تعريف وظيفة الموارد البشرية نفسها.

أخبار ذات صلة

باحثة في علم النباتات الأثرية بجامعة كوبنهاغن، خلال جمع القمح من موقع أثري في الصحراء السوداء شمال شرق الأردن، 16 يوليو 2018.

مزراعو الأردن يوظفون الذكاء الاصطناعي لتطوير الزراعة وإدارة المياه

عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مدير

تستخدم الشركات أنظمة قادرة على توجيه الموظفين ومراقبتهم وتقييم أدائهم بصورة متزايدة، وهو ما يعرف بـ«الإدارة الخوارزمية». ولا يقتصر الأمر على تحليل البيانات، إذ يمكن لهذه الأنظمة أن تحدد المهام والحصص الإنتاجية وسرعة العمل، وتقدم تقييمات قد تؤثر في مستقبل الموظف داخل المؤسسة.

ففي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن 90% من المديرين قالوا إن شركاتهم تستخدم أداة واحدة على الأقل للإدارة الخوارزمية بهدف توجيه الموظفين أو مراقبتهم أو تقييمهم.

اقتصادياً، يمنح هذا النموذج الشركات قدرة أكبر على مراقبة الإنتاجية وخفض بعض التكاليف الإدارية، لكنه في المقابل ينقل جزءاً من سلطة اتخاذ القرار من المدير إلى الخوارزمية، ما يخلق تحديات جديدة تتعلق بالشفافية والمسؤولية وحق الموظف في الاعتراض.

من يقرر فصل الموظف؟

تزداد حساسية هذه المسألة عندما تنتقل الخوارزميات من مراقبة الأداء إلى اتخاذ قرارات لها تبعات مباشرة على العاملين.

ففي كاليفورنيا، أقر المشرعون مشروع قانون يحظر استخدام «الرؤساء الآليين» لاتخاذ قرارات فصل الموظفين أو معاقبتهم، وهو في انتظار قرار الحاكم غافين نيوسوم. وكانت نسخة سابقة من المشروع قد رُفضت في أكتوبر الماضي، مع الإشارة إلى الحاجة لإجراء تعديلات عليها.

وفي متجر تجريبي في سان فرانسيسكو تديره شركة «أندون لابس»، مُنح نظام ذكاء اصطناعي يحمل اسم «لونا» صلاحيات لإدارة جوانب مختلفة من النشاط، بينها التوظيف وجدولة العاملين وإدارتهم. وفي أغسطس، قدم النظام أول توصية له بإنهاء خدمة موظف.

وتكشف هذه الحالات عن انتقال الذكاء الاصطناعي من دور المساعد إلى موقع أقرب إلى صاحب القرار، ما يجعل تحديد المسؤولية عن القرار أكثر تعقيداً: هل يتحملها النظام، أم الشركة التي صممته، أم المدير الذي اعتمد توصيته؟

عبارة الذكاء الاصطناعي، ولوحة مفاتيح، ويدي روبوت؛ في صورة توضيحية التُقطت في 27 يناير 2025. 
عبارة الذكاء الاصطناعي، ولوحة مفاتيح، ويدي روبوت؛ في صورة توضيحية التُقطت في 27 يناير 2025. المصدر: «رويترز»

الإنتاجية مقابل الاستقلالية

تكمن إحدى أكبر المفارقات الاقتصادية في أن التكنولوجيا التي تهدف إلى رفع الإنتاجية قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تقليص هامش الاستقلالية لدى العامل.

فالإدارة الخوارزمية تستطيع تنظيم العمل وتوزيعه ومراقبته وتقييمه بصورة مستمرة، وقد تساعد الشركات على اكتشاف الاختناقات ورفع كفاءة العمليات. لكنها قد تدفع أيضاً إلى فرض طريقة محددة لإنجاز المهام وقياس أداء الموظفين وفق مؤشرات يصعب عليهم التأثير فيها.

وتزداد المشكلة مع قدرة الأنظمة الحديثة على جمع كميات ضخمة من البيانات حول سلوك الموظف وسرعة عمله وأدائه، ما يمنح الشركة قدرة غير مسبوقة على مراقبة القوى العاملة.

وبالتالي، لا يصبح الصراع حول الذكاء الاصطناعي مرتبطاً فقط بعدد الوظائف التي يمكن أن تختفي، بل أيضاً بجودة الوظائف المتبقية وطبيعة السلطة داخل مكان العمل.

معركة جديدة حول مكاسب الذكاء الاصطناعي

هناك جانب اقتصادي آخر لا يقل أهمية: من سيحصل على المكاسب الناتجة عن ارتفاع الإنتاجية؟

فإذا تمكنت شركة من إنجاز العمل نفسه بعدد أقل من الموظفين بفضل الأتمتة، فإنها قد تخفض تكاليفها وتزيد إنتاجيتها. لكن توزيع هذه المكاسب بين المساهمين والإدارة والموظفين سيصبح قضية مركزية في سوق العمل.

ولهذا بدأت النقابات في التفاوض حول قضايا مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تشمل إعادة تدريب العاملين، وخلق وظائف جديدة، وتعديل أنظمة التعويضات بما يسمح للموظفين بالاستفادة من مكاسب الإنتاجية، إلى جانب التعويضات المرتبطة بالاستغناء عن العمال وبرامج التقاعد المبكر.

وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح جبهة جديدة في العلاقة التقليدية بين رأس المال والعمل، لكن هذه المرة حول ملكية مكاسب الأتمتة وليس فقط حول الأجور.

أخبار ذات صلة

لافتة لشركة «مايكروسوفت» أمام مقر الشركة في ريدموند، واشنطن، الولايات المتحدة.

«مايكروسوفت» تتخلى عن سباق روبوتات الذكاء الاصطناعي الشخصية

لماذا قد تحتاج الشركات إلى «علاقات الروبوتات»؟

مع دخول الخوارزميات إلى قرارات التوظيف والإدارة والفصل، قد لا تكون أقسام الموارد البشرية التقليدية كافية للتعامل مع هذه العلاقة الجديدة.

فالشركات ستحتاج إلى آليات تحدد متى يمكن للنظام اتخاذ القرار بصورة مستقلة، ومتى يجب أن يتدخل الإنسان، وكيف يمكن للموظف الطعن في قرار خوارزمي، ومن يتحمل المسؤولية عندما يؤدي القرار الآلي إلى ضرر.

ومن هنا يمكن أن تظهر وظائف جديدة تتولى مراقبة تأثير الذكاء الاصطناعي في الموظفين، وتقييم أنظمة الأتمتة، ومتابعة آثارها على المسارات المهنية والأجور والإنتاجية.

وقد لا تحمل هذه الوظائف اسم «علاقات الروبوتات» حرفياً، لكنها قد تصبح جزءاً من إدارة الشركات مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى عنصر دائم في عملية اتخاذ القرار.

سوق عمل بقواعد جديدة

المؤشر الأهم في هذا التحول أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تقنية منفصلة عن الاقتصاد. فكلما توسعت قدرة الخوارزميات على إدارة العمل، أصبحت التكنولوجيا جزءا من العلاقة الاقتصادية بين الموظف وصاحب العمل.

وفي المرحلة المقبلة، لن يكون السؤال الأساسي فقط عن عدد الوظائف التي يمكن أن تستبدلها الآلات، بل عن كيفية توزيع الإنتاجية الجديدة، وحدود المراقبة، وحقوق الموظفين، والمسؤولية عن القرارات التي تتخذها الأنظمة.

وبذلك قد يكون التغيير الأكبر الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على سوق العمل ليس اختفاء المدير البشري، وإنما ظهور طبقة جديدة من الإدارة تجمع بين الإنسان والخوارزمية، وتحتاج بدورها إلى قواعد واضحة تحكم العلاقة بين الطرفين.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف