
تتطلع كندا إلى لعب دور أكثر حيوية في إمدادات الغذاء العالمية في ظل تحسن إنتاج القمح محلياً من ناحية، وزيادة التوترات في منطقة البحر الأسود وبحث عدد من كبار مستوردي القمح عن مصدر آخر من ناحية أخرى، ما يطرح سؤالاً: هل يتربع القمح الكندي على عرش الأسواق العالمية؟
قد تكون جودة محصول القمح في كندا لعام 2026 أفضل بكثير مما توقعه المشاركون في السوق، وذلك عقب هطول أمطار غزيرة ومستمرة خلال فترة الحصاد. وتشير التقييمات الأولية للجودة إلى أن نسبة كبيرة من الحبوب حافظت على جودة عالية رغم الظروف الجوية غير المواتية، مما يخلق فرصاً لزيادة الصادرات في ظل الاضطرابات التي تشهدها شحنات الحبوب القادمة من منطقة البحر الأسود.
ووفقاً للجنة الحبوب الكندية، وبحلول 6 أكتوبر، استوفت نحو 77% من عينات قمح «كندا الغربي الأحمر الربيعي» التي خضعت للاختبار أعلى درجتين في الجودة. أما بالنسبة لقمح «كندا الغربي العنبري القاسي»، فقد بلغت هذه النسبة 68.2%. ووصل متوسط محتوى البروتين إلى 14% لقمح (CWRS) و13.4% لقمح «الديورم» (القاسي). ومع ذلك، شددت اللجنة على أنه لا يزال من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات نهائية بشأن جودة المحصول بأكمله.
تدفع المخاطر المتزايدة التي تواجه عمليات الشحن في البحر الأسود كبار مستوردي القمح إلى البحث عن موردين بديلين، إذ تدرس كل من مصر وتركيا وبنغلاديش بشكل متزايد مصادر توريد أخرى، وذلك بسبب اضطرابات الإمداد وعزوف بعض المصدرين ومالكي السفن عن العمل في تلك المنطقة.
ويُعد الوضع حساساً بشكل خاص بالنسبة لمصر -التي تُعد واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم- حيث يتعين على المشترين الموازنة بين الحاجة لتأمين كميات كافية من الحبوب للسوق المحلية وبين ارتفاع تكاليف الشحن ومخاطر تأخر الشحنات القادمة من منطقة البحر الأسود.
وبالفعل بدأت المشكلات اللوجستية في إعادة تشكيل مسارات التجارة التقليدية، إذ يقوم بعض المصدرين الروس بتحويل مسار الشحنات إلى موانئ بحر البلطيق، مما يزيد الطلب على النقل بالسكك الحديدية ويرفع تكاليف النقل.
وفي ظل هذه الاضطرابات اللوجستية، خفضت مؤسسة «إس آند بي غلوبال إنرجي سيرا» توقعاتها لصادرات القمح الروسي إلى 32.5 مليون طن، انخفاضاً من 42.5 مليون طن كانت متوقعة سابقاً. وتستند هذه التوقعات إلى افتراض إمكانية استئناف عمليات التصدير المعتادة عبر البحر الأسود بحلول يناير 2027.
يشير المحللون في شركة «فارم لينك سلوشنز» إلى أن أصناف القمح الكندية الحديثة أظهرت قدرة على الصمود أمام الظروف الجوية غير المواتية تفوق التوقعات الأولية. ورغم المخاوف بشأن احتمال تدهور الجودة عقب هطول أمطار غزيرة في شهر سبتمبر، إلا أن النتائج الفعلية قد تكون أفضل من التوقعات السابقة. وفي الوقت نفسه، يتيح التباين في جودة الحبوب للمصدرين تجميع شحنات مخصصة لمشترين لديهم متطلبات جودة وتفضيلات سعرية متفاوتة.
وتخلق الاضطرابات التي تشهدها الشحنات البحرية في منطقة البحر الأسود فرصاً إضافية للمصدرين الكنديين، إذ يرى المحللون أن كندا قد تحل جزئياً محل قمح منطقة البحر الأسود في أسواقها التصديرية التقليدية، حيث يفضل المشترون عادةً الحبوب ذات المحتوى البروتيني الأقل. ومع ذلك، فإن القمح الكندي عالي البروتين لا يحقق دائماً علاوة سعرية توازي جودته، نظراً لأن الطلب العالمي على القمح الذي تبلغ نسبة البروتين فيه 14% أو أكثر لا يزال محدوداً.
ومن ناحية أخرى، قد تفرض أحجام التصدير الكبيرة ضغوطاً إضافية على منظومة الخدمات اللوجستية لنقل الحبوب في كندا، إذ تبرز تحديات خاصة تتعلق بتجميع شحنات متجانسة للسفن من حبوب ذات درجات جودة متفاوتة. ويشدد المحللون على أن ضمان استمرارية عمليات النقل دون انقطاع سيكون أمراً بالغ الأهمية هذا الموسم لتحقيق كامل الإمكانات التصديرية لكندا.