
بعد أكثر من عقد من التراجع والعزلة، يعود القطاع المصرفي السوري إلى مقدمة جهود التعافي الاقتصادي، مدفوعاً بتوسّع الدعم الدولي وآخره منحة البنك الدولي لتحديث القطاع المالي، ضمن مساعٍ لإعادة تأهيل البنية المصرفية، وتعزيز قدرتها على دعم النشاط الاقتصادي، واستعادة الثقة، بعد سنوات من العقوبات، والفساد، وضعف الاستثمار.
تلك الخطوات يراها خبراء اقتصاد ومال تحدثوا لـ«إرم بزنس»، تمثل مرحلة مهمة جديدة في تاريخ تحديث القطاع المصرفي المتعثر، مشددين على أنه ينقص الإصلاح المصرفي الإسراع في التحول الرقمي، والحوكمة، وإعادة دمج المصارف السورية في النظام المالي الإقليمي والدولي، واستعادة الثقة المتبادلة، وفتح حسابات المراسلة، والامتثال، وتعزيز استقلالية المصرف المركزي.
ويبلغ عدد البنوك العاملة في سوريا 16 بنكاً حالياً، وسط تطبيق خطة إستراتيجية طويلة الأجل تستهدف مضاعفة عدد البنوك العاملة في سوريا إلى 30 بنكاً بحلول عام 2030، في إطار جهود شاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بحسب ما ذكره في نوفمبر 2025، محافظ البنك المركزي السوري عبدالقادر الحصرية.
وتعد جهود إصلاح قطاع المصارف في سوريا محل مقترحات دولية منذ الإطاحة بالأسد، وفي فبراير 2025، قال مدير المكتب المالي بالرئاسة التركية، غوكسال أشان، إن بلاده مستعدة لتقديم المساهمة لدعم النظام المالي الذي ستنشئه سوريا، مشيراً إلى أنه باعتماد سوريا نظامًا ماليًا مشابهًا للنظام التركي في الخدمات المصرفية المفتوحة والرقمية، يمكن أن تحقق، خلال فترة تتراوح بين 3 و 5 سنوات، ما يتطلب 20 عامًا بالطرق التقليدية.
وفي 7 أغسطس الجاري، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان، موافقة البنك الدولي على تقديم منحة بقيمة 100 مليون دولار لدعم تحديث القطاع المالي في سوريا، مؤكدا أنها «تمثل محطة مهمة في تطوير البنية المالية والمصرفية، وأنظمة المدفوعات، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، بما يدعم الاستقرار المالي، ويعزز بيئة الاستثمار، ويوفر خدمات مالية أكثر كفاءة وأماناً للمواطنين، وقطاع الأعمال».
وكان البنك الدولي وافق، وقتها، على تقديم منحة بقيمة 100 مليون دولار لدعم مشروع «تحديث القطاع المالي في سوريا» بهدف إعادة تأهيل القطاع المصرفي، ودعم جهود مكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب.
ولا يزال القطاع المالي السوري بعد 14 عاماً من الصراع، محدود الحجم، ويرتكز بصورة رئيسة على البنوك، مع اعتماد كبير على التعاملات النقدية، وضعف في الوساطة المالية، وتقادم البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، فضلاً عن تحديات تتعلق بالرقابة والنزاهة والاستقرار المالي مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعاملات، وصعوبة الوصول إلى التمويل، كما تحد من إعادة ربط سوريا بالقنوات المالية الدولية اللازمة لدعم التجارة والاستثمار ، بحسب بيان البنك الدولي.
ويرى الأكاديمي والباحث الاقتصادي السوري وائل أحمد، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن منحة البنك الدولي البالغة 100 مليون دولار تأتي في ظل «مرحلة جديدة للقطاع بعد سنوات طويلة من الصراع والتحولات الاقتصادية والمالية، وتعد فرصة لتحديث القطاع المالي، وتطوير أنظمة الدفع والرقابة والبنية الرقمية، وتهيئة البيئة المصرفية للانطلاق نحو مرحلة أكثر حداثة وانفتاحاً، ودفعة مهمة في مجالات التكنولوجيا، والبنية التحتية، والخبرات».
وتتمثل القيمة الحقيقية لهذه الخطوة في أنها «تتجاوز الجانب التمويلي، وتشكل نقطة انطلاق لإعادة تطوير الوظيفة المصرفية، وتعزيز قدرتها على تعبئة المدخرات، وتوفير التمويل، وإدارة المخاطر، ودعم النشاط الاقتصادي، وربط الاقتصاد السوري، تدريجياً، بالمنظومة المالية الدولية»، وفق أحمد.
وعمّا ينقص إصلاح المصارف بعد هذه المنحة، أضاف: «تتمثل الأولوية الأساسية لإصلاح القطاع المصرفي السوري في بناء إطار تشريعي ومؤسسي حديث يوفر بيئة واضحة ومستقرة للحوكمة، ويدعم قدرة المصارف على تطوير أعمالها مع السير في تعزيز العلاقة بين المصرف والمودع وتوفير بيئة نقدية مستقرة، وحماية فعالة للمدخرات، ورفع مستوى الشفافية، وتقديم خدمات مصرفية موثوقة وسهلة الاستخدام عبر تسريع التحول الرقمي.
أما استعادة البنوك السورية لعافيتها، بحسب أحمد، فتتطلب مساراً متدرجاً ومتكاملاً يجمع بين التطوير الداخلي والانفتاح الخارجي، لافتاً إلى أنه على المستوى الداخلي يمكن التركيز على تطوير الحوكمة، وتعزيز القاعدة الرأسمالية، ورفع كفاءة إدارة الائتمان والمخاطر، وتحديث أنظمة الدفع والمعلومات المصرفية، والاستثمار في الكوادر والخبرات المتخصصة.
خارجياً يمكن للمصارف السورية توسيع علاقاتها مع البنوك بصورة تدريجية، بما يمهد لتعزيز حضورها في شبكة «سويفت» وتطوير تعاملاتها مع النظام المالي الدولي، ويتطلب ذلك مواصلة تطوير أنظمة الامتثال، بما يعزز الثقة المتبادلة مع المؤسسات المالية الدولية ويدعم انفتاح الاقتصاد السوري على حركة التجارة والاستثمار والتحويلات، وفق مايراه الباحث الاقتصادي وائل أحمد.
وعندما تتفاعل هذه المسارات بصورة متناسقة، بحسب الأكاديمي والباحث الاقتصادي السوري وائل أحمد «سيكون القطاع المصرفي أكثر قدرة على الانتقال من مرحلة التكيف مع آثار الصراع إلى دور فاعل في تمويل الإنتاج، والاستثمار، ودعم التعافي، والنمو الاقتصادي المستدام في سوريا».
ويرى الخبير المصرفي، أمجد نصر، في حديث مع «إرم بزنس»، أن أهمية هذا الدعم من البنك الدولي تتجاوز قيمته، مؤكداً أن إصلاح القطاع المصرفي يحتاج إلى معالجة متكاملة. تبدأ بتقييم حقيقي للصحة المالية للمصارف، وجودة الأصول، والقروض المتعثرة، وقيمة الضمانات، وكفاية رأس المال، والسيولة، والالتزامات، ثم تحديد المصارف القابلة لإعادة الهيكلة والرسملة، والمصارف التي قد تحتاج إلى اندماج أو معالجة مختلفة.