
على مدى عقود، مثّلت الصناعات الكيميائية أحد أعمدة النمو الصناعي في الشرق الأوسط، وأسهمت بدور محوري في بناء القاعدة التصنيعية للمنطقة. واليوم، ومع تغير طبيعة الطلب العالمي وتزايد التركيز على الحلول المتخصصة عالية القيمة، يدخل القطاع مرحلة جديدة تتطلب أكثر من مجرد التوسع في الإنتاج. إنها مرحلة تختبر قدرة القيادة على التطور بقدر ما تختبر قدرة الصناعة على الابتكار.
تعكس الأرقام هذا الثقل الاقتصادي، إذ تسهم بنسبة 33% من الناتج المحلي الإجمالي لقطاع التصنيع في دول مجلس التعاون الخليجي، و4% من الناتج المحلي الإجمالي الكلي لدول المجلس. وبعد عقود من النجاح في إنتاج السلع الكيميائية الأساسية، تقود استراتيجيات التنويع الاقتصادي، مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية نحن الإمارات 2031، مرحلة جديدة من التطور، فيما تواصل مبادرات مثل «مشروع 300 مليار» تعزيز مكانة القطاع الصناعي. واليوم، تقف صناعة الكيميائيات في المنطقة على أعتاب قفزة نوعية نحو الصناعات المتخصصة عالية القيمة.
قادت المواد الكيميائية الأساسية، التي يتم إنتاجها بكميات ضخمة والمحددة بالأسعار والمعايير الموحدة، نمو القطاع الكيميائي في المنطقة. واليوم، يدفع التركيز المتزايد على الابتكار والاستدامة، إلى جانب الحاجة لتقليل الاعتماد على أسواق السلع المتقلبة، المنطقة نحو التوسع في الصناعات الكيميائية المتخصصة، وهي قطاعات تتميز بهوامش ربح أعلى وقيمة مضافة أكبر بفضل حلول مصممة خصيصاً بالتعاون الوثيق مع العملاء.
ويحقق هذا التحول هدفين استراتيجيين لدول الخليج: تعميق القيمة المضافة في الاقتصادات المحلية، وخلق فرص وظيفية نوعية للمواهب الوطنية عالية الكفاءة.. وقد بادرت شركات رائدة مثل «سابك» بالفعل إلى اعتماد التحول نحو الكيميائيات المتخصصة ضمن استراتيجياتها المستقبلية. ومع هذا التحول في نماذج التشغيل، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت القدرات القيادية في المنطقة تتطور بالسرعة الكافية لمواكبة هذا التحول.
كشف تحليلنا لقادة قطاع الكيميائيات في الشرق الأوسط عن فجوة ملحوظة بين المهارات القيادية الحالية ومتطلبات المستقبل. فباستخدام إطار «التحفيز والتنفيذ والتحول المرن» (META) من «هايدريك آند سترغلز» تبين وجود تباين واضح بين المهارات التي قادت النجاح في الصناعات الأساسية وتلك المطلوبة في عصر التخصص. وبينما برع هؤلاء القادة في الصلابة والرؤية الاستراتيجية والسعي لتحقيق النتائج - وهي مهارات كانت حاسمة في نجاح الصناعات الأساسية، أظهر التحليل حاجة ملحة لتطوير كفاءات جديدة تشمل التركيز على احتياجات العميل، وتبني ثقافة التعلم المستمر والتكيف مع التغيير، بالإضافة إلى قيادة الابتكار وبناء فرق متعددة المواهب، وهي كفاءات باتت حاسمة لنجاح المرحلة المقبلة.
يعد التفكير الاستراتيجي بعيد المدى من أبرز المهارات المطلوبة، حيث يتميز قادة الصناعات الأساسية بمهارات تشغيلية عالية، إلا أن الصناعات المتخصصة تتطلب بعد نظر وقدرة على استشراف الاحتياجات المستقبلية وفهم تحولات السوق، من اعتماد الذكاء الاصطناعي وتوجهات الحوكمة البيئية والاجتماعية إلى تحديات سلاسل التوريد، وتحويل هذه المعطيات إلى استراتيجيات طويلة الأمد مستندة إلى مدخلات العملاء.
فعلى سبيل المثال، لكي تستفيد الشركات من جهود السعودية لتقليل الاعتماد على النفط، كان من الضروري على قادتها التفكير لعقود قادمة، والاستثمار في الصناعات الكيميائية بما يتماشى مع خارطة الطريق الوطنية، وهي استثمارات لا تتحقق بين ليلة وضحاها.
كما يعد إلهام الفرق وتوجيهها من العناصر الحاسمة في القيادة الحديثة، إذ غالباً ما تكون التنظيمات التقليدية في قطاع الكيميائيات هرمية، ويتركز أسلوب إدارتها على مؤشرات الأداء والإجراءات الصارمة. أما قيادة الصناعات المتخصصة فتتطلب نوعاً مختلفاً من القادة، يكونون قادرين على استقطاب المواهب وبناء فرق متنوعة. ويكمن التحدي الحقيقي في الانتقال من إدارة الأفراد إلى إلهامهم. وهنا يصبح الذكاء العاطفي ومهارات التدريب التعاطفي مقومات أساسية تمكن القادة من دعم طموحات فرقهم وتطوير المواهب. ويستطيع القادة، من خلال تبني نهج التدريب بدلاً من التوجيه الصارم، بناء فرق عالية الأداء تقوم على ثقافة التعلم المستمر بما يضمن تحقيق النمو طويل الأمد في قطاع الصناعات الكيميائية المتخصصة.
يعد الابتكار جوهر التحول نحو الصناعات المتخصصة، إذ يتطلب النجاح فيها ابتكاراً يتجاوز تطوير المنتجات، ليشمل العمليات وأساليب التواصل مع العملاء. فالابتكار لم يعد خياراً، بل ضرورة للحفاظ على ولاء العملاء ومنع تآكل هوامش الأرباح. ويتعيّن على القادة التغاضي عن الطرق التقليدية في العمل، وترسيخ ثقافة الابتكار وروح التجريب، وضمان بيئة مؤسسية داعمة لذلك، كتحديث أنظمة تقييم الأداء لتشجيع المخاطرة المحسوبة وتبادل الآراء.
أما العنصر القيادي الأخير، فلا يقلّ أهميّة عن سابقيه، ويتمثل في القدرة على تعزيز التعاون داخل المؤسسة وخارجها. ففي الصناعات الأساسية، تتركز القيادة على الكفاءة وتقليل التكاليف، بينما تعتمد الصناعات المتخصصة على التقارب مع العملاء والتطوير المشترك. وهذا بدوره يستدعي من القادة قيادة التعاون الاستراتيجي داخل المؤسسة ومع منظومة الشركاء الأوسع، من موردين وعملاء ومراكز بحث وتطوير. ويصبح الذكاء العاطفي مرة أخرى شرطاً رئيسياً لتمكين القادة من خوض حوارات بناءة، وصياغة أفكار معقدة بوضوح، وتقديم حلول تراعي احتياجات العملاء المتغيرة.
يُعد إدراك هذه المتطلبات خطوة أولى فقط، إذ يتعين على المؤسسات أن تضمن وجود قنوات تطوير قيادية قادرة على تلبيتها. وغالباً ما تركز استراتيجيات التخطيط للتعاقب القيادي على تكرار نموذج القائد الحالي، في حين يتوجب على المؤسسات، مع تغير توجهاتها، أن تبحث عن قادة المستقبل لا الحاضر. وإلى جانب استقطاب المرشحين أصحاب القدرات المستقبلية، ينبغي على مجالس الإدارة والفرق التنفيذية توسيع قاعدة المواهب القيادية من خلال تحديد الكفاءات الواعدة على الأقل حتى ثلاثة مستويات أدنى من منصب الرئيس التنفيذي.
كما يعد الانفتاح على التعيينات الخارجية أمراً بالغ الأهمية. فقد أظهرت أبحاث حديثة أن الرؤساء التنفيذيين لقطاع الكيميائيات في آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط يمتلكون خبرات أقل عبر الحدود والقطاعات مقارنة بنظرائهم في المناطق الأخرى، وأن 7% منهم فقط من غير المواطنين. لذا، فإن استقطاب قادة من خارج المنطقة يمكن أن يضخ أفكاراً جديدة ويسرع التحول نحو الصناعات المتخصصة.
يقف قطاع الصناعات الكيميائية في الشرق الأوسط اليوم على أعتاب تحول عميق؛ إذ من المتوقع أن تبلغ قيمة سوق الصناعات الكيميائية المتخصصة 46.08 مليار دولار أميركي خلال الأعوام الخمسة المقبلة، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4% بين عامي 2025 و2030. ويشكل الانتقال من الصناعات الأساسية إلى المتخصصة اختباراً حقيقياً للقيادة، إذ ستنجح المؤسسات التي تعمل على تطوير قادة مستعدين للمستقبل لا متمسكين بالماضي.