
حذفت وول ستريت سريعاً «علاوة الحرب» من التسعير، وكأن السؤال لم يعد يدور حول مضيق هرمز ومخاطر التصعيد، بل حول نتائج الشركات المقبلة. لكن حركة السندات وأسواق النفط الفعلي لا تزال تشير إلى أن هذا الاطمئنان لم يكتمل بعد.
كان من السهل فهم ردّة فعل الأسواق بعد هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران.
فقد هبط النفط بعنف، وقفزت الأسهم، وتراجعت حدة التقلب بسرعة. لكن ما تلا ذلك كان الأهم: المستثمرون لم يكتفوا بتسعير هدوء الجبهة، بل انتقلوا فوراً إلى تسعير سردية مختلفة تماماً — «الأرباح». وهو تحوّل كبير في زمن قصير للغاية، وربما أسرع مما ينبغي.
في يوم الارتياح الأول، صعدت المؤشرات الأميركية بقوة؛ إذ صعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 2.5% وناسداك بنحو 2.8%، بينما هبط النفط بشكل حاد مع تراجع سيناريو الإغلاق الطويل لـ«مضيق هرمز». كانت تلك إشارة واضحة إلى أن السوق قررت شطب جزء كبير من علاوة الذعر الجيوسياسي دفعة واحدة.
لكن شطب الذعر شيء، وإثبات أن الاقتصاد عاد إلى مساره الطبيعي شيء آخر.
السبب الذي سمح بهذا التحوّل السريع ليس الهدنة وحدها.
هناك أيضاً خلفية أرباح قوية بما يكفي لإغراء المستثمرين بالعودة سريعاً إلى منطق «اشترِ التراجع». بيانات FactSet تُظهر أن أرباح شركات S&P 500 في الربع الأول من 2026 متوقع لها أن تنمو 12.6% على أساس سنوي، مع احتمال أن ترتفع النسبة الفعلية إذا استمر نمط تجاوز التقديرات كما جرت العادة. بل إن FactSet أشارت إلى أن النمو الفعلي قد يقترب من 19% إذا تكرر متوسط عنصر المفاجأة الإيجابية التاريخي.
بمعنى آخر، لم تكن الهدنة وحدها ما حرّك السوق، بل جاءت لتفتح الباب أمام سردية كانت جاهزة أساساً: تقييمات أقل من ذروة 2025، أرباح لا تزال قوية، وقطاع تكنولوجيا لم يعد يُنظر إليه على أنه مبالغ في تسعيره كما في السابق.
هنا تبدأ المشكلة.
إذا كانت الأسهم تسعّر عودة سريعة إلى منطق الأرباح، فإن السندات أكثر تحفظاً بكثير. تحليل رويترز هذا الأسبوع كان واضحاً: حتى مع الهدنة، من غير المرجح أن تعود أسواق السندات إلى مستويات ما قبل الحرب بسهولة، لأن صدمة الطاقة لم تختفِ بالكامل، ولأن التضخم قد يبقى «أعلى ولفترة أطول» حتى في سيناريو التهدئة.
هذه ليست ملاحظة جانبية؛ إنها اختلاف في قراءة الواقع بين سوقين.
فالسهم يستطيع أن يحتفل بانخفاض النفط اليوم، أما السند فيسأل: ماذا لو بقيت أسعار الطاقة والنقل والتأمين مرتفعة؟ وماذا لو تأخرت البنوك المركزية في خفض الفائدة؟ وماذا لو كانت الهدنة مجرد توقف داخل أزمة أطول؟
النفط نفسه لا يقول الشيء الذي تقوله الشاشات.
صحيح أن العقود الآجلة هبطت بقوة، لكن السوق المادية للنفط والمنتجات ما زالت تُظهر ضغطاً في الإمدادات. الهدنة خففت الخوف، لكنها لم تُلغِ الاختناقات التشغيلية بالسرعة نفسها.
وهنا يصبح الفارق مهماً: ما هبط في الأسعار هو «علاوة الذعر»، لا اختلالات السوق الفعلية.
بمعنى آخر، جزء من الارتداد كان نفسياً أكثر منه بنيوياً.
تراجع التقلب لا يعني بالضرورة عودة الثقة.
جزء كبير من الانخفاض في مؤشر الخوف VIX يعكس انتهاء الضغط الميكانيكي لعمليات البيع، أكثر مما يعكس قناعة جديدة بأن المخاطر اختفت.
بعض التقارير أشارت إلى أن موجات البيع المرتبطة بصناديق حساسة للتقلبات بدأت بالانحسار، وهو ما قد يحوّل هذه الصناديق من بائعين إلى مشترين عند استقرار السوق.
وهذا يفسر الارتداد الأخير: ليس بالضرورة لأن المستثمرين أصبحوا أكثر تفاؤلاً، بل لأن من كانوا مضطرين للبيع توقفوا عن البيع.
المسألة ليست في اتجاه السوق.
قد تكون محقة في أن الذروة الجيوسياسية انتهت، ومحقة في أن أرباح الشركات قوية، ومحقة في أن التقييمات أصبحت أقل تطرفاً.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل استعجلت السوق الانتقال؟
الأسهم قد تكون بدأت تسعير مرحلة «ما بعد الأزمة» قبل أن تنتهي آثار المرحلة السابقة فعلياً. وبين السندات والنفط الفعلي وإشارات الاقتصاد الحقيقي، يظهر أن هذا الانتقال لا يزال غير مكتمل.
السوق لا تتصرف كأنها خرجت من أزمة جيوسياسية فقط، بل كأنها دخلت مباشرة موسم أرباح مستقراً.
لكن الإشارات الأبطأ — من السندات إلى النفط الفعلي — تقول إن الطريق بين المرحلتين ليس صافياً كما يبدو على الشاشات.
ولهذا، فإن السؤال ليس ما إذا كانت وول ستريت قد تجاهلت الحرب، بل ما إذا كانت قد سبقت الواقع إليها.