
مع تسارع التحول الاقتصادي في السعودية وتحوّل الرياض إلى مركز جذب سكاني واستثماري متزايد، بدأت سوق الإيجارات في العاصمة تدخل مرحلة جديدة تتسم باتساع النشاط واحتدام المنافسة على السكن.
هذا الواقع، الذي ترافق مع ارتفاع ملحوظ في التكاليف، لم يفرض تحديات إضافية فحسب، بل أفرز أيضاً نماذج تمويل مبتكرة تعيد تنظيم العلاقة بين المستأجرين والملاك، من بينها حلول «استأجر الآن وادفع لاحقاً»، التي تركّز على تخفيف العبء النقدي من دون المساس بالقيمة الاسمية للإيجارات.
ويأتي هذا التحول ضمن سياق أوسع يشهد فيه قطاع العقارات السعودي توسعاً لافتاً، إذ يُقدَّر حجم السوق بنحو 67.9 مليار دولار في عام 2025، مدفوعاً باستثمارات ضخمة ومشاريع عمرانية مرتبطة بـ«رؤية السعودية 2030». ولا تقتصر هذه المشاريع، من «نيوم» إلى «القدية» و«روشن»، على إعادة تشكيل الخريطة الحضرية، بل تسهم أيضاً في إعادة توجيه الطلب على السكن نحو المدن الكبرى، وعلى رأسها الرياض، التي ترسّخت بوصفها مركز الثقل الاقتصادي والإداري للمملكة.
غير أن هذا الزخم الاستثماري لم يُترجم بالسرعة ذاتها إلى زيادة كافية في المعروض السكني، ولا سيما في الفئات المتوسطة، ما أدى إلى ارتفاع الإيجارات بوتيرة تجاوزت نمو الدخل الحقيقي. وخلال السنوات الثلاث الماضية، قفزت الإيجارات في الرياض بنسبة تراوح بين 30 و40 في المئة، بينما تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من نحو 38,500 دولار في عام 2022 إلى قرابة 35,000 دولار في 2024، في مفارقة تعكس اتساع الفجوة بين تكاليف المعيشة والقدرة على تحمّلها.
وتتعمّق هذه الفجوة بفعل الخصائص الديموغرافية للعاصمة، التي تضم نحو خُمس سكان المملكة وتستقطب الجزء الأكبر من الوافدين الجدد. فبين عامي 2023 و2024، انتقل نحو 1.2 مليون وافد إلى السعودية من الخارج، استقر معظمهم في الرياض، ما زاد الضغط على سوق إيجار تعاني أصلاً من محدودية العرض مقارنة بسرعة الطلب. وبينما تبدو مدن مثل جدة والدمام أقل حدة من حيث الزيادات، فإن الرياض تبقى الأكثر تأثراً بسبب تركّز الوظائف والفرص الاقتصادية فيها.
في هذا المناخ، بدأت نماذج تمويل بديلة بالظهور لتجاوز أحد أكثر عناصر السوق إثقالاً للمستأجرين: شرط الدفع السنوي المسبق. ففي نوفمبر، دخلت منصة «بروبرتي فايندر» (Property Finder) الإماراتية في السعودية عبر شراكة مع شركة «كيبر» (Keyper)، مقدمةً نموذجاً يسمح بتقسيط الإيجار السنوي على دفعات شهرية.
وفي موازاة ذلك، برزت شركات سعودية ناشئة مثل «رايز» (Rize) و«أقساط» و«إيجاري»، التي تسعى إلى الاستفادة من اتساع فجوة السيولة لدى المستأجرين، لا من خلال خفض الإيجار، بل عبر إعادة هيكلة طريقة دفعه.
وأكد يزيد الشمسي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إيجاري»، أن الطلب على خدمات الشركة شهد قفزة لافتة في عام 2025 مقارنة بالعامين السابقين، مشيراً إلى أن «القدرة على تحمّل تكاليف السكن في الرياض تواجه ضغوطاً متزايدة تفوق قدرة المعروض على الاستجابة». وأضاف أن معظم عملاء الشركة يتركزون في العاصمة، حيث يصبح العبء النقدي أكثر وضوحاً لدى الأسر والأفراد من الطبقة الوسطى.
دفع هذا الواقع صانعي السياسات إلى التدخل، إذ وصف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في سبتمبر 2025 الارتفاع في الإيجارات بأنه «غير مقبول». وأعلنت الحكومة لاحقاً عن تجميد الإيجارات في الرياض لمدة خمس سنوات، إلى جانب إجراءات تهدف إلى تحفيز تطوير الأراضي البيضاء وزيادة المعروض السكني. غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها في كبح الزيادات المستقبلية، لا تعالج معضلة الدفع المسبق التي لا تزال قائمة، حتى في ظل تثبيت الأسعار.
وأشار الشمسي إلى أن «اشتراط الدفع السنوي يفرض ضغطاً كبيراً على التدفقات النقدية للمستأجرين»، موضحاً أن المشكلة لا تكمن فقط في مستوى الإيجار، بل في توقيت دفعه. وهنا تبرز جاذبية حلول «استأجر الآن وادفع لاحقاً»، التي تسمح بتوزيع التكلفة على مدار العام، وإن كان ذلك مقابل فوائد تصل إلى نحو 15%.
تُظهر البيانات أن الإقبال على هذه الحلول يتزامن مع نمو أوسع في التمويل العقاري، إذ ارتفع التمويل الموجه للأفراد في السعودية بنسبة 26 في المئة خلال عام 2025، في مؤشر على تزايد الاعتماد على الأدوات المالية لإدارة تكاليف السكن. وضمن هذا السياق، سجّلت «إيجاري» طلباً بقيمة 100 مليون دولار في عامي 2023 و2024، قبل أن يقفز إلى أكثر من 250 مليون دولار في 2025، رغم تكلفة التمويل المرتفعة نسبياً.
وتأتي هذه التطورات في سوق تُقدَّر قيمتها بنحو 72 مليار دولار، مع توقعات بتجاوز 100 مليار دولار بحلول عام 2030، ما يفسر تسارع الابتكار في مجالات التكنولوجيا العقارية، من التعاقد الرقمي إلى أنظمة الدفع المرن.
ومع استمرار النمو السكاني وتسارع مشاريع التحول الاقتصادي في المملكة، يبدو أن الضغوط على سوق الإيجار ستبقى قائمة، ما يرجّح تحوّل نماذج التمويل المرن من حلول ظرفية إلى جزء بنيوي من منظومة السكن والتمويل العقاري في المملكة خلال السنوات المقبلة.