
تسارع شركات التكنولوجيا المالية في الخليج لإطلاق منتجات الملكية الجزئية ورموز الأصول المشفرة في السوق السعودية، في ظل تقديرات تشير إلى أن حجم السوق المستهدفة قد يصل إلى نحو 30 تريليون دولار خلال العقد المقبل.
وفقاً لتقرير نشره موقع AGBI، رسّخت الإمارات مكانتها كنقطة انطلاق لهذا التوجه، حيث تتيح منصات متزايدة للمستثمرين شراء حصص مرمّزة صغيرة من أصول ضخمة تشمل العقارات والأسهم، عبر تقنية «البلوكتشين» (blockchain) التي توفر الشفافية والأمان وسهولة تتبع المعاملات.
يتوقع خبراء الصناعة أن تشهد السعودية مساراً مشابهاً لما تشهده الإمارات مدفوعاً باللوائح المرتقبة، ما يشجع الشركات على دخول السوق مبكراً لتعزيز حضورها. ومن أبرز هذه الشركات الناشئة «عملة» (Oumla)، التي افتتحت أول مكتب لها في الرياض هذا الشهر وأعلنت عن جولة تمويل أولي بقيمة 2.4 مليون دولار لدعم توسعها.
وتخطط الشركة لإتاحة الاستثمار الجزئي في العملات المشفرة مثل «بيتكوين» (Bitcoin)، إلى جانب الأسهم السعودية، كما تجري مباحثات مع «البنك المركزي السعودي» (SAMA) و«هيئة السوق المالية» بشأن الإطار التنظيمي. وأكد كبير مسؤولي التقنية في الشركة، صلاح السلمان، ثقته بأن «عملة» ستكون أول شركة مرخّصة فور صدور القوانين.
أوضحت الشركة أن مطورين عقاريين وغيرهم أبدوا اهتماماً واسعاً بترميز أصولهم عبر منصتها المعتمدة على تقنية البلوكتشين. وتتماهى هذه التوجهات مع التجربة الأولى للاستثمار العقاري المرمّز في السعودية، التي أُطلقت في يونيو الماضي بشراكة بين «دروب آر دبليو إيه» (DropRWA) و«رافال» العقارية.
وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لشركة «رافال» إلياس أبو سمرا: «لأول مرة، أصبح بإمكان الشاب السعودي امتلاك حصة في مشروع عقاري مميز مقابل بضع ريالات فقط».
تُعد العقارات القطاع الأكثر جذباً لخيارات الترميز، خاصة بعد أن ارتفع متوسط أسعار الشقق في الرياض بنسبة 82% منذ 2019، ما جعلها استثماراً مغرياً لكنه بعيد المنال عن المستثمرين الأفراد.
أما في دبي، فتتوقع «دائرة الأراضي والأملاك» أن تصل قيمة العقارات المرمّزة إلى 60 مليار درهم، أي نحو 16 مليار دولار بحلول 2033، ما يعكس الإمكانات الكبيرة لهذا التوجه.
على الصعيد العالمي، تزايد الاهتمام بالترميز كأداة ثورية للاستثمار في الأشهر الأخيرة. ففي رسالته السنوية للمستثمرين لعام 2025، وصف الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» (BlackRock)، لاري فينك، هذه التقنية بأنها ستغير قواعد اللعبة عبر تسريع المعاملات وخفض العوائق أمام المستثمرين وتسهيل التداول خارج أوقات السوق.
غير أن بعض الجهات التنظيمية أبدت تحفظها. فقد دعت عضو «هيئة الأوراق المالية والبورصات» (Securities and Exchange Commission) الأميركية، هيستر بيرس، إلى تجنّب «التفكير السحري» بشأن الترميز، مؤكدة ضرورة بقاء القوانين التقليدية للأوراق المالية سارية.
كما أشار محللون آخرون إلى محدودية السيولة وضعف أحجام التداول في الأسواق الثانوية، وهو ما قد يقيّد خيارات التخارج للمستثمرين.
إلى جانب العقارات، تواصل العملات المشفرة جذب الاهتمام، خصوصاً بعد أن قفزت قيمة «بيتكوين» بأكثر من 1,500% منذ 2019 لتسجل نحو 117 ألف دولار مؤخراً.
كما أعلنت شركة «فيوز» (Fuze)، المتخصصة في ترميز الأصول الرقمية ومقرها دبي، دخولها السوق السعودية بافتتاح مكتب في الرياض وبدء عمليات التوظيف. وأكد رئيسها التنفيذي، محمد علي يوسف، أن الاستجابة من «البنك المركزي السعودي» و«هيئة السوق المالية» كانت «إيجابية للغاية».
وكانت «فيوز» قد انطلقت في الإمارات عام 2022 مع تركيز أساسي على العملات المشفرة بما فيها العملات المستقرة، مؤكدة أن سوق الترميز في دبي شهد نمواً لافتاً، وأن مفهوم الاستثمار الجزئي في الأصول الكبيرة أصبح أكثر وضوحاً وانتشاراً.
في المقابل، تستكشف بعض الشركات نماذج مختلفة للملكية الجزئية. فشركة «ديد» (Deed) الإماراتية تعتمد نموذج الشركة ذات الغرض الخاص، حيث يشارك المستثمرون ابتداءً من 500 درهم في ملكية عقار سكني، مع الاستفادة من عوائد الإيجار وارتفاع قيمة الأصل عند بيعه.
وتتجه «Deed» الآن إلى السعودية، حيث أكد الرئيس التنفيذي بشار خضير أن الشركة في «محادثات متقدمة» بشأن أول صفقة عقارية لها في الرياض.
رغم النمو الملحوظ، ما زالت المنافسة محدودة حتى في الإمارات التي سبقت السعودية في هذا المضمار. ومع تسارع الخطوات التنظيمية، يبدو أن المملكة مقبلة على مرحلة حاسمة ستحدد معالم سوق الملكية الجزئية والترميز في المنطقة.