
لم يعد سوق المستودعات في دبي يتحرك في اتجاه واحد. فبين وحدات تبدأ من 5 أمتار مربعة فقط، ومنشآت تتجاوز 100 ألف قدم مربعة، يظهر تحول أوسع في طريقة استخدام الشركات للمساحة، لا مجرد زيادة في الطلب على التخزين.
تدفع التجارة الإلكترونية نحو مساحات أصغر وأكثر مرونة، تساعد الشركات على تخزين البضائع وتجهيز الطلبات وربطها بشبكات التوصيل. وفي المقابل، يرفع توسع الصناعة ومشغلي الخدمات اللوجيستية الطلب على منشآت كبيرة بمواصفات تشغيلية متقدمة.
بلغ حجم سوق التجارة الإلكترونية في الإمارات 42.2 مليار درهم خلال 2025، ارتفاعاً من 17.6 مليار درهم في 2020، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 19%، وفقاً لتقرير «إي زي دبي» التابعة لدبي الجنوب، بالتعاون مع «يورومونيتور إنترناشيونال».
ويتوقع التقرير أن يصل السوق إلى 67.2 مليار درهم بحلول 2030، وأن تتجاوز حصة التجارة الإلكترونية 20% من إجمالي مبيعات التجزئة في الإمارات، مقارنة بنحو 15.7% في 2025.
هذا النمو لا يعني مبيعات أعلى فقط، بل عمليات أكثر داخل العقار اللوجيستي: استقبال المنتجات، إدارة المخزون، التقاط الطلبات، التعبئة، التحميل، ثم إخراجها بسرعة إلى شبكات التوصيل.
بحسب بيانات «كافنديش ماكسويل» التي نقلتها «TradeArabia»، بلغت القيمة الإيجارية الإجمالية لسوق مستودعات دبي نحو 1.8 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، بزيادة تقارب 10% على أساس سنوي، فيما ارتفعت كلفة استئجار المستودعات بنحو 12.5%.
وسُجل نحو 10 آلاف عقد إيجار مستودعات خلال الفترة نفسها، مع ارتفاع عقود التجديد 22% إلى نحو 8200 عقد؛ ما يشير إلى ميل كثير من المستأجرين للبقاء في مواقعهم الحالية بدل الانتقال وسط ارتفاع التكاليف.
واستحوذت المساحات التي تقل عن 5 آلاف قدم مربعة على نحو 70% من عقود الإيجار، بينما تركز أكثر من نصف العقود في وحدات بين ألفين و5 آلاف قدم مربعة.
ويظهر نموذج أكثر صغراً في توسعة «دبي كوميرسيتي»، حيث سيضم مبنى «ذا هايف» 181 وحدة مرنة تبدأ مساحة الواحدة منها من 5 أمتار مربعة فقط، وفقاً لوكالة أنباء الإمارات.
ولا تعتمد هذه الوحدات على التخزين وحده، إذ يوفر المبنى مناطق مكيّفة لتنفيذ الطلبات على مدار الساعة، ومناطق تحميل وتفريغ تدار رقمياً، ومرافق للتوصيل في الميل الأخير.
في المقابل، ارتفعت المتطلبات الجديدة للمساحات الصناعية واللوجيستية في دبي إلى 12.3 مليون قدم مربعة خلال النصف الأول من 2026، مقابل 11.5 مليون قدم مربعة قبل عام، وفقاً لـ«نايت فرانك».
وأصبحت المنشآت التي تتجاوز مساحتها 100 ألف قدم مربعة تمثل 27% من المتطلبات الجديدة، مقابل 7.8% فقط في النصف الثاني من 2025.
كما استحوذت المساحات بين 50 ألفاً و100 ألف قدم مربعة على 32.2% من الطلب، فيما شكلت المساحات بين 10 آلاف و50 ألف قدم مربعة 35.5%.
وتقود الصناعة والتصنيع هذا الطلب بحصة 35.1% من المتطلبات الجديدة، بينما شكل مشغلو الخدمات اللوجستية 15.5%. وهذا يعني أن كفاءة المساحة لا تلغي الحاجة إلى المستودعات الكبيرة، بل تعيد توزيع الطلب حسب النشاط.
بلغ متوسط إيجار المساحات الصناعية من الفئة الأولى في القوز نحو 90 درهماً للقدم المربعة خلال النصف الأول من 2026، بينما سجلت دبي الجنوب نمواً سنوياً بنسبة 22% ليصل المتوسط إلى 55 درهماً للقدم المربعة، وفقاً لـ«نايت فرانك».
وتؤكد «سي بي آر إي» الاتجاه نفسه، مشيرة إلى ارتفاع متوسط الإيجارات الصناعية في دبي 12.3% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من 2026، مع استمرار المنافسة على المساحات الصناعية عالية الجودة.
لذلك، لم يعد المستأجر يشتري المساحة وحدها. فشركة التجارة الإلكترونية تحتاج إلى سرعة تنفيذ الطلبات والوصول إلى شبكات التوصيل، بينما يحتاج المصنع أو المشغل اللوجستي الكبير إلى الارتفاع والطاقة والمداخل وحركة الشاحنات.
ومن 5 أمتار مربعة إلى أكثر من 100 ألف قدم مربعة، يكشف سوق دبي اللوجستي أن قيمة المستودع أصبحت مرتبطة بما يمكن إنجازه داخله، لا بحجمه فقط.